مرحبا بكم بالقسم الإسلامى بموقع اصحاب كول

المنتدي الإسلامى : اسماء الله الحسني : فتاوي المرأة : الموسوعة الإسلامية : موسوعة الانبياء : اذكار الصباح والمساء : السيرة النبوية : الصوتيات والمرئيات والخطب الإسلامية

لو عجبتكم الصفحة دي تقدروا تبعتوها لكل اصحابكم على الفيس بوك من هنا >>

Missing Plug-in  هام : جهازك لا يمكنه تشغيل و مشاهدة الأفلام والفيديو بجودة عالية HD
X

العودة   منتديات اصحاب كول 2014 > =----> (المنتديـــات العــامـه) <----= > الـمـنـتـدي الإســلامــى

Notices

رد
 
أدوات الموضوع طرق عرض الموضوع
  #1  
قديم 10-15-2009, 07:53 AM
+
ahmed zoma ahmed zoma غير متصل
مشرف اقسام الاغانى و الافلام



 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الإقامة: Assuit
المشاركات: 21,196
افتراضي تفسير القران الكريم كاملا ( ارجوا التثبيت)

[c] الاخلاص
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ

((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ))

ـــــــــــــــــــــــــــــ



ذكر في سبب نزول هذه السورة:
أن المشركين أو اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلّم: صف لنا ربك؟ فأنزل الله هذه السورة. {قل} الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، وللأمة أيضاً

و{هو الله أحد} {هو} ضمير الشأن عند المعربين. ولفظ الجلالة {الله} هو خبر المبتدأ و{أحد} خبر ثان.
{الله الصمد} جملة مستقلة. {الله أحد} أي هو الله الذي تتحدثون عنه وتسألون عنه {أحد} أي: متوحد بجلاله وعظمته، ليس له مثيل، وليس له شريك، بل هو متفرد بالجلال والعظمة عز وجل. {الله الصمد} جملة مستقلة، بين الله تعالى أنه {الصمد} أجمع ما قيل في معناه: أنه الكامل في صفاته، الذي افتقرت إليه جميع مخلوقاته. فقد روي عن ابن عباس أن الصمد هو الكامل في علمه، الكامل في حلمه، الكامل في عزته، الكامل في قدرته، إلى آخر ما ذكر في الأثر. وهذا يعني أنه مستغنٍ عن جميع المخلوقات لأنه كامل، وورد أيضاً في تفسيرها أن الصمد هو الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجها، وهذا يعني أن جميع المخلوقات مفتقرة إليه، وعلى هذا فيكون المعنى الجامع للصمد هو: الكامل في صفاته الذي افتقرت إليه جميع مخلوقاته.

{لم يلد} لأنه جل وعلا لا مثيل له، والولد مشتق من والده وجزء منه كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في فاطمة: «إنها بَضْعَةٌ مني»، والله جل وعلا لا مثيل له، ثم إن الولد إنما يكون للحاجة إليه إما في المعونة على مكابدة الدنيا، وإما في الحاجة إلى بقاء النسل. والله عز وجل مستغنٍ عن ذلك. فلهذا لم يلد لأنه لا مثيل له؛ ولأنه مستغنٍ عن كل أحد عز وجل. وقد أشار الله عز وجل إلى امتناع ولادته أيضاً في قوله تعالى: {أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم} [الأنعام: 101]. فالولد يحتاج إلى صاحبة تلده، وكذلك هو خالق كل شيء، فإذا كان خالق كل شيء فكل شيء منفصل عنه بائن منه. وفي قوله: {لم يلد} رد على ثلاث طوائف منحرفة من بني آدم، وهم: المشركون، واليهود، والنصارى، لأن المشركين جعلوا الملائكة الذين هم عبادالرحمن إناثاً، وقالوا: إن الملائكة بنات الله. واليهود قالوا: عزير ابن الله. والنصارى قالوا: المسيح ابن الله. فكذبهم الله بقوله:

{لم يلد ولم يولد} لأنه عز وجل هو الأول الذي ليس قبله شيء، فكيف يكون مولوداً؟!

{ولم يكن له كفواً أحد} أي لم يكن له أحد مساوياً في جميع صفاته، فنفى الله سبحانه وتعالى عن نفسه أن يكون والداً، أو مولوداً، أو له مثيل، وهذه السورة لها فضل عظيم. قال النبي صلى الله عليه وسلّم: «إنها تعدل ثلث القرآن»، لكنها تعدله ولا تقوم مقامه، فهي تعدل ثلث القرآن لكن لا تقوم مقام ثلث القرآن. بدليل أن الإنسان لو كررها في الصلاة الفريضة ثلاث مرات لم تكفه عن الفاتحة، مع أنه إذا قرأها ثلاث مرات فكأنما قرأ القرآن كله، لكنها لا تجزىء عنه، ولا تستغرب أن يكون الشيء معادلاً للشيء ولا يجزىء عنه. فها هو النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن من قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، فكأنما أعتق أربعة أنفس من بني إسماعيل، أو من ولد إسماعيل»، ومع ذلك لو كان عليه رقبة كفارة، وقال هذا الذكر، لم يكفه عن الكفارة فلا يلزم من معادلة الشيء للشيء أن يكون قائماً مقامه في الإجزاء.

هذه السورة كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقرأ بها في الركعة الثانية في سنة الفجر، وفي سنة المغرب، وفي ركعتي الطواف، وكذلك يقرأ بها في الوتر، لأنها مبنية على الإخلاص التام لله، ولهذا تسمى سورة الإخلاص.
[/c]












سورة الفلق

تفسير سورة الفلق


قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ


هذه السورة يأمر الله -جل وعلا- نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يستعيذ برب الفلق، وهو الله -جل وعلا-. " والفلق": هو الصبح في قول جمهور المفسرين.

مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ يعني: من شر مخلوقات الله -جل وعلا- فما له شر من هذه المخلوقات فهو داخل في هذه الاستعاذة.
وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ يعني: من شر الليل إذا دخل؛ لأن الليل إذا دخل تتسلط فيه شياطين الإنس، وشياطين الجن والدواب والهوام، وقد جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث عائشة -رضي الله تعالى عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أراها القمر، وقال: استعيذي بالله، فإنه الغاسق إذا وقب .
لكن جمهور المفسرين عن التفسير الأول، وقالوا: إن هذا الحديث يدل على أن ظهور القمر علامة على دخول الليل، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- أشار إلى علامة دخول الليل، فلا ينافي ما فسره به جمهور العلماء، وهذا الحديث صححه جمع من العلماء كالترمذي والحاكم وابن خزيمة وابن حبان والحافظ بن حجر في آخره.
ثم قال -جل وعلا-: وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ يعني: من شر الأنفس التي تنفث في العقد لتسحر الناس؛ لأن السحرة ينفثون في العقد التي يعقدونها، من أجل سحر الناس، وينفثون عليها، "والنفث ": هو الريق والهواء الذي يخرج من الفم، أو شيء من الريق وهو دون التفل، وفوق النفخ فهذا يسمى نفثا، فهذه نفث الساحر إذا نفث في العقد. يقول العلماء: نفسه شيطانية فتتكيف مع هذه الأشياء، فيحصل السحر للمسحور.
وهذه السورة أمر الله -جل وعلا- نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يستعيذ فيها من شر المخلوقات أجمعين، يعني: من شر المخلوقات أجمعين، ثم خصص ذلك بالليل، وخصه -أيضا- بالنفاثات في العقد.
وأيضا: وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ يعني: من شر الحاسد إذا حسد في وقت الحسد الذي يحسد فيه الإنسان؛ لأن الإنسان قد يكون متلبسا بهذه الصفة يحسد الناس، لكنه في بعض الأحيان لا يحسد، لكن في حال حسده فهو مأمور من النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يستعاذ به في مثل هذه الحالة.
فخصص النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه الثلاثة أشياء؛ لظهور ضررها وعظمها وكثرتها. وهذا يدل على أن الحسد، وهو تمني زوال النعمة عن الغير صفة مذمومة، لا تليق بمسلم؛ لأن الله -جل وعلا- أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يستعيذ من صاحبها، وأما الحسد الذي يكون بالمعنى المقارب للتنافس، فهذا جائز شرعا كما قال -صلى الله عليه وسلم-: لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل .
فمن حسد أخاه المسلم -بمعنى غبطه- تمنى أن يكون مثله، ولكنه لم يتمن زوال النعمة عن أخيه، فهذا من باب الغبطة، ومن باب الحسد المباح، وأما إذا تمنى زوال النعمة عن أخيه المسلم فهذا من باب الحسد المذموم، الذي أُمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يستعيذ من صاحبه.
النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ هذا استعاذة من شر أهل السحر الذين ينفثون في العقد، وهذا يدل على خبثهم، وأما الليل فهو مخلوق من مخلوقات الله -جل وعلا- لا يجوز سبه لذاته، وإنما أمره الله -جل وعلا- أن يستعيذ من شره لما يقع فيه.
وأما الليل والنهار والأيام والليالي فهذه لا تذم لذاتها، ولا يسند إليها شيء؛ لأن الذم والمدح إنما يقع فيها، ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم-: لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر قال الله -تعالى- في الحديث القدسي: يؤذيني ابن آدم فيسب الدهر، وأنا الدهر أقلب الليل والنهار نعم.































سورة الناس


تفسير سورة الناس


قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ


هذه السورة أمر الله -جل وعلا- نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يستعيذ به -جل وعلا- بثلاثة من أسمائه، ومعنى ذلك: أن يلتجئ إلى الله -تعالى- ويعتصم به؛ لأن الاستعاذة هي الالتجاء والاعتصام.

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ وهذا أمره بأن يستعيذ به بوصف الربوبية، وخص الناس بالذكر هاهنا، وإن كان -جل وعلا- رب العالمين، إلا أنه -جل وعلا- خصهم -هاهنا- لشرفهم من جهة، ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- مخاطب بذلك، وهو داخل في الناس من جهة أنه -صلى الله عليه وسلم- قد لا يظن أن المماثل له، أو قوله -جل وعلا-: أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ذكرهم لشرفهم، وأما المعنى الآخر فلا يتأتى هاهنا.
وقول الله -جل وعلا-: مَلِكِ النَّاسِ أي: أن الله -جل وعلا- أمره أن يستعيذه -أيضا- باسمٍ من أسمائه، وهو أنه -جل وعلا- ملك الناس، وهذا يدل على أنه يستعيذ بمن له الأمر والنهى؛ لأن الرب هو المدبر الذي يخلق الأشياء، والملك من صفاته أنه يكون آمرا ناهيا.
فالله -جل وعلا- هو الذي يملك الأشياء وهو الذي يأمر وينهى.
إِلَهِ النَّاسِ وهذا اسم ثالث لله -جل وعلا- أي: معبودهم، فهم لا يلتجئون ولا يعتصمون إلا لمن بيده تدبير السماوات والأرض، ولمن له الأمر والنهي، ولمن هو مستحق للعبادة -جل وعلا-.
مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ أي: تستعيذ بالله -جل وعلا- بأسمائه وصفاته من شر الوسواس الخناس، " والوسواس ": هو الموسوس، وأصل " الوسواس " هو الصوت الخفي، ويطلق -أيضا- على ما لا صوت له كما في وسوسة الشيطان، وأما وسوسة شياطين الإنس فإنها قد تكون بالصوت الخفي.
وقوله -جل وعلا-: الْخَنَّاسِ الخناس: هو الذي يظهر ويختفي، فالشيطان من صفته أنه يذهب ويختفي، ويوسوس على الإنسان، ولهذا ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الشيطان إذا سمع النداء، أو التثويب بالصلاة أدبر وله ضراط، فإذا قضي الآذان أو التثويب رجع، فإذا ثوب لإقامة الصلاة أدبر وله ضراط، ثم إذا قضي التثويب رجع حتى يلبس على الإنسان صلاته فهو يخنس بمعنى: أنه يظهر ويختفي.
وكذلك شياطين الإنس يظهرون ويختفون؛ إما بأقوالهم، وإما بأفعالهم، وإما أنهم يظهرون الحسن، وهم يريدون ذلك كما يصنع الشيطان الرجيم، كما ذكر الله -جل وعلا- عنه: فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا ثم قال -جل وعلا- في سورة الأعراف أنه قال للأبوين: إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ .
فهو الشيطان سواء كان شيطان الإنس أو الجن يخنس، يذهب ويرجع بوساوسه على ابن آدم، ويذهب -أيضا- ويعود بتسلطه.
قال -جل وعلا-: الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ يعني: أن هذا الوسواس أو الموسوس يوسوس في صدور الناس، وعبر الله -جل وعلا- بالصدور دون القلوب؛ لأن الصدور هي مدخل للقلب، وهي ساحة القلب؛ لأن الشيطان يلقيها في صدور الإنسان، ثم بعد ذلك تتابع إلى قلبه، ثم إذا دخلت في قلب الإنسان جرت بعد ذلك منه مجرى الدم كما أخبر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-.
قال الله -جل وعلا-: مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ وقوله مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ يعني -جل وعلا-: أن هذا مرتبط بقوله -جل وعلا-: مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ يعني: أن الموسوس من الجنة أو من الناس، وليس الموَسْوَس له، وإنما المراد به الموَسوِس؛ لأن الموسوس قد يكون من الجنة، وقد يكون من الناس، وهذا كما قال الله -جل وعلا-: شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا نعم.

رد باقتباس
  #2  
قديم 10-15-2009, 07:58 AM
+
ahmed zoma ahmed zoma غير متصل
مشرف اقسام الاغانى و الافلام



 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الإقامة: Assuit
المشاركات: 21,196
افتراضي رد: تفسير القران الكريم كاملا ( ارجوا التثبيت)

سورة النصر
تفسير سورة النصر


بسم الله الرحمن الرحيم : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا .


هذه السورة بيَّن الله -جل وعلا- فيها أجل نبيه -صلى الله عليه وسلم- فإن الله -جل وعلا- أَعْلَمَ نبيه -صلى الله عليه وسلم- علامات إذا رآها في أمته فذلك علامة أجله، فيمتثل ما أمره به ربه -جل وعلا- في هذه السورة بأن يسبح بحمده ربه -جل وعلا- ويستغفره.

وقد ثبت في الصحيح أن عمر -رضي الله تعالى عنه- أَدْخَلَ عبد الله بن عباس في مجلسه، وكان فيه شيوخ من أشياخ الصحابة ممن حضر بدرا، فسألهم عن تأويل هذه السورة ما تقولون في قوله جل وعلا: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ، فقالوا: أمرنا إذا جاء نصر الله والفتح أن نستغفر الله ونحمده، ونسبح بحمده، وذكر بعضهم أشياء، وسكت بعضهم فسأل عمر عنها عبد الله بن عباس -رضي الله عنه- فقال: هذا أَجَل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- ما أعلم منها إلا ما تقول

.
وليس معني هذا أن هذه الآية ليس فيها معنى في ذاتها، بل ألفاظها ظاهرة واضحة، ولكنها في جملتها تدل على قرب أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والله -جل وعلا- قد أعلم نبيه -صلى الله عليه وسلم- بموته في آيات كثيرة: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ .
فنبينا -صلى الله عليه وسلم- عنده يقين جازم بما أوحاه الله -جل وعلا- إليه بأنه سيموت، ولكن هذه السورة التي معنا فيها بيان له -صلى الله عليه وسلم- بقرب أجله؛ لأن العلامات التي أعلمه الله -جل وعلا- إياها رآها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولهذا قال بعض الصحابة: إن هذه السورة نزلت على نبينا -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع في أوسط أيام التشريق.
وقال بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-: إنها آخر سورة نزلت على النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى كُلٍّ هي من أواخر ما نزل عليه، عليه الصلاة والسلام.
قوله جل وعلا: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ نصر الله -جل وعلا- لرسوله -صلى الله عليه وسلم- كان في مواضع وأمكنة عديدة، قص الله -جل وعلا- علينا كثيرا من أخبارها، والفتح في هذه السورة المراد به عند كثير من المفسرين المراد به فتح مكة، ومكة فتحت في السنة الثامنة في رمضان، وهي من أواخر فتوحه عليه الصلاة السلام.
وبعد فتح مكة دخل الناس في دين الله أفواجا؛ لأن العرب كانوا يتربصون النبي -صلى الله عليه وسلم- وقريشا، ويقولون: إن انتصر على قريش آمنا به؛ لأنه حينئذ ينصر على أهل الله وخاصته كما يظنون، فنصره الله -جل وعلا- على قريش.
وفتح الله عليه مكة، فدخل الناس بعد ذلك في دين الله أفواجا جماعات جماعات، فأسلمت القبائل، وفتح الله -جل وعلا- بعد ذلك على رسوله جزيرة العرب، فما مات -صلى الله عليه وسلم- إلا ودينه ظاهر بنصر الله -جل وعلا- له في وعده الذي وعده في آيات كثيرة: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا .
فلما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه العلامات استغفر ربه وسبح بحمده، كما أمره رب العالمين؛ لأن الله قال: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ونبينا -صلى الله عليه وسلم- تقدم لنا عند قول الله -جل وعلا-: وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ما الذي يستغفر منه النبي صلى الله عليه وسلم.
برحمته يبدل السيئات حسنات، ولهذا قال الله -جل وعلا- في هذه الآية: إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا يعني: إنه يتوب كثيرا على المذنبين مع كثرتهم وتعاظمهم، ويغفر الخطايا، ويتوب على المذنب، ولو تعددت خطاياه، ولو تاب، ثم رجع، ثم تاب ورجع فإن الله -جل وعلا- لا يزال يتوب على عبده، ولهذا قال -تعالى-: إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا بصيغة المبالغة؛ لأنها تقتضي تكرير التوبة من الله -جل وعلا-، فإذا رجع العبد عن ذنبه رجع الله -جل وعلا- عن عباده.









سورة المسد


بسم الله الرحمن الرحيم: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ

هذه السورة بيّن الله -جل وعلا- فيها خسارة عدو من أعداء الله -جل وعلا-، وإن كان قريبا من النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكن وحي الله -جل وعلا- الذي أنزله على عبده ورسوله -صلى الله عليه وسلم- لا يكتمه نبينا -صلى الله عليه وسلم- أبدا، ولو كتم شيئا لكتم مثل هذه السورة، لأنها نازلة في عمه -أخي أبيه-.

فأبو لهب هذا هو عبد العزى بن عبد المطلب، ونبينا -صلى الله عليه وسلم- محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، ثم إن هذه السورة تبين أن الهداية بيد الله -جل وعلا-، والإنسان دائما يكون حريصا على أن يهتدي الأقربون منه، ومع ذلك الله -جل وعلا- لم يهد عمّ نبينا -صلى الله عليه وسلم-، بل هو من أهل النار.
قال الله -جل وعلا-: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ في أول السورة دعا الله -جل وعلا- عليه بالخسارة والهلاك، ثم أخبر -جل وعلا- أنه خسر وهلك؛ فالأولى وهي قوله: تَبَّتْ هذه دعاء عليه، وقوله -جل وعلا- وَتَبَّ هذا خبر عن حاله ومصيره، وأنه تحقق له الهلاك.
وورودها جاء على سبب، وهو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما كان في مكة خرج إلى البطحاء، وصعد الجبل وقال: يا صباحاه فاجتمعت إليه قريش، وكان منهم أبو لهب -قبحه الله-، فقال لهم -صلى الله عليه وسلم-: لو حدثتكم أن عدوا مصبحكم أو مُمسيكم، أكنتم مُصدقيّ؟ قالوا: نعم. فقال -صلى الله عليه وسلم-: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا، تبا لك فأنزل الله -جل وعلا- على نبيه هذه السورة التي تضمنت أن أبا لهب هذا وامرأته لن تنفع فيهما الدعوة، وأنهم يموتون على الكفر والضلال بما سبق في علم الله -جل وعلا- أنهم لن يهتدوا.
ولهذا كان هناك جمع من المشركين يعادون نبينا -صلى الله عليه وسلم- ويؤذونه، ومع ذلك ما أنزل الله فيهم مثل هذه السورة؛ لأن الله -جل وعلا- قد علم من حال بعضهم أنه يموت على الإسلام.
قال الله -جل وعلا-: مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ أي: أن أبا لهب هذا ما أغنى عنه ماله الذي كان يملكه، وما أغنى عنه ما كسبه من الجاه والرئاسة والولد وغيرها من متاع الدنيا؛ لأنه لا يغني عن عذاب الله -جل وعلا- شيئا إلا ما جعله الله -جل وعلا- يقي الإنسان عذابه، وهو العمل الصالح بعد فضل الله ورحمته، وهذا كما قال الله -جل وعلا-: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ .
وقال الله -جل وعلا-: وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وذكر الله -جل وعلا- عن أهل النار أن أحدهم يقول: مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ فماله وما كسبه لا يدفع عنه من عذاب الله شيئا.
ثم قال الله -جل وعلا-: سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ أي: أن أبا لهب سيصليه الله -جل وعلا- نارا تضطرم وتتأجج، وهذا الصلي قد تقدم لنا أنه يكون في حق الكافرين، وذلك دليل على أنه يموت على الكفر -أعاذنا الله منه-.
قال الله -جل وعلا-: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ أي: وامرأة أبي لهب، وهي أم جميل بنت حرب، أخت أبي سفيان بن حرب، ستصلى نارا ذات لهب مع زوجها. ويوم القيامة تحمل الحطب في نار جهنم؛ ليوقد به عليها وعلى زوجها جزاء ما كانت تصنعه إعانة لزوجها في عداوة النبي -صلى الله عليه وسلم- في الدنيا؛ إذ كانت تلقي في طريقه -صلى الله عليه وسلم- الأذى؛ لأنه دعا الناس إلى عبادة الله وحده.
وأخبر -جل وعلا- أنه يكون في عنقها يوم القيامة حبل مفتول من مسد، تُعذب به في نار جهنم، كما يُعذب أهل النار بالسلاسل والأغلال هي -كذلك- تُعذب بهذا الحبل، ولعله يكون سيما لها في نار جهنم؛ لأنها وزوجها كانا يَتَّبِعَان النبي -صلى الله عليه وسلم- ويؤذيانه.
كان أبو لهب إذا جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى نوادي المشركين ومواسيمهم، يدعوهم إلى دين الله -جل وعلا- وقال لهم: قولوا: لا إله إلا لله تفلحوا قال: هذا صابئ كذاب وامرأته كانت تعينه على ذلك بالقول والفعل، فعاقبهم الله -جل وعلا- في نار جهنم بعقاب يشهده أهل النار -أعاذنا الله منها-. نعم.
























سورة الكافرون



تفسير سورة الكافرون


بسم الله الرحمن الرحيم : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ .


يأمر الله -جل وعلا- نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يقول للكافرين المتصفين بهذا الوصف حالة كفرهم: يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ .

وهذا خطاب للكافرين المتصفين بصفة الكفر؛ ولهذا ما جاء فيه يا أيها الأشخاص، أو يا أيها النفر؛ لأن الحكم متعلق بالوصف.
لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ أي: لا أعبد في الحاضر، ولا في المستقبل ما تعبدونه أنتم في الحاضر أو المستقبل؛ لأن كليهما فعل مضارع، والفعل المضارع يدل على الحال والاستقبال.
وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ أي: لستم عابدين ما أعبد في الحال أو المستقبل.
وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ أي: ولا أنا عابد في الحال، ولا في المستقبل ما عبدتم في الماضي. وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ في جميع الأحوال.
وهذه السورة يبين الله -جل وعلا- فيها أن نبينا -صلى الله عليه وسلم- لن يعبد إلههم الذي يعبدونه حال كفرهم، كما أنهم لن يعبدوا إله النبي -صلى الله عليه وسلم- حال كفرهم؛ لأنهم لو آمنوا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- لعبدوا إلهه، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يستحيل أن يعبد آلهتهم؛ لأنه لا يعبد إلا الله وحده.
وهذا قضاء على ما عرضه المشركون على النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن يعبدوا إلهه سنة، ويعبد آلهتهم سنة، فأمره ربه -جل وعلا- وأنزل عليه هذا الوحي بأن يقول: لهم ذلك لكن إذا آمنوا، فقد انتفى عنهم وصف الكفر، فعندئذ يعبد النبي -صلى الله عليه وسلم- ما يعبدون، وهم يعبدون ما يعبد النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وأما وهم موصفون بوصف الكفر الذي في صدر السورة فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يعبد ما يعبدون، وهم لا يعبدون ما يعبد النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم قرر الله -جل وعلا- ذلك على سبيل التهديد: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ أي: أنتم لكم دينكم الذي تتبعونه وتدينون به، وأنا لي ديني الذي أتبعه، وهو دين الله -جل وعلا- وهذا خرج مخرج التهديد لهم، كقوله جل وعلا: فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ وهذا ليس راجعا إلى مشيئتهم واختيارهم بأنهم إن شاءوا آمنوا، وإن شاءوا كفروا، وإنما خرج مخرج التهديد.
ولهذا قال الله -جل وعلا-: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وهذه الآية وهذه السورة جاءت كما أمر خليل الرحمن إبراهيم -عليه السلام- بأن يقول ذلك للمشركين: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ .
ونبينا -صلى الله عليه وسلم- تابع للخليل -عليه السلام- وأصل دين الأنبياء واحد، فهم في العقيدة سواء؛ ولهذا قال الله -جل وعلا-: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ نعم.

رد باقتباس
  #3  
قديم 10-15-2009, 08:01 AM
+
ahmed zoma ahmed zoma غير متصل
مشرف اقسام الاغانى و الافلام



 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الإقامة: Assuit
المشاركات: 21,196
افتراضي رد: تفسير القران الكريم كاملا ( ارجوا التثبيت)

سورة الكوثر

تفسير سورة الكوثر


بسم الله الرحمن الرحيم : إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ .


هذه سورة الكوثر، امتن الله -جل وعلا- فيها على نبيه -صلى الله عليه وسلم- بأن أعطاه الكوثر، وهو نهر في الجنة، كما فسره بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- هذا النهر لما عرج به إلى السماء السابعة.

وهذا النهر نهر في الجنة يصب على حوضه -صلى الله عليه وسلم- في عرصات القيامة بميزابين، كما قرر ذلك الحافظ ابن كثير في كتابه "النهاية" والحافظ ابن حجر بمجموع النصوص الواردة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحوض والكوثر.
فامتن الله -جل وعلا- على نبيه -صلى الله عليه وسلم- بأنه أعطاه هذا الكوثر، وأكد الله -جل وعلا- هذه العطية بعدة مؤكدات، منها أنه أكده بـ "إنَّ" المشددة في استفتاح السورة، وبالفعل الماضي، وبدخول الألف واللام على الكوثر.
فلما أعطاه ربه -جل وعلا- الكوثر أمره جل وعلا أن يصلي له وينحر. وذلك دليل على أن العبد إذا أعطاه الله -جل وعلا- نعما فإنه يزداد طاعة وتقربا إلى الله -جل وعلا- كما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه لما قيل له وهو يصلي حتى تفطرت قدماه صلاة، سئل عن صنعه ذلك، فقال: أفلا أكون عبدا شكورا .
فهذا من شكر نعمة الله -جل وعلا- وهذا تعليم من الله -جل وعلا- لنبيه -صلى الله عليه وسلم- ولأمته من بعده أنهم إذا أعطوا شيئا فإنهم يزدادون طاعة وتقربا إلى الله -جل وعلا- لا يزدادون به سوءا.
إذا ازداد العبد بنعم الله سوءا كان كما تقدم معنا داخلا في قوله جل وعلا: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى وإذا ازدادوا طاعة وتقربا إلى الله -جل وعلا- كان متبعا لنبيه -صلى الله عليه وسلم- فيما أرشده ربه إليه.
وقوله جل وعلا: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ أي: أخلص صلاتك وذبحك ونحرك لله -جل وعلا - والنحر هو الذبح، وإن كان غالبا ما يطلق إلا على الإبل، لكن يطلق النحر على الذبح، يعني: أن يجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- صلاته خالصة لله، وذبحه خالصا لله.
لا كما كان المشركين يصنعون من صرفها لغير الله -جل وعلا- أو إشراك غير الله مع الله -جل وعلا- ولهذا قال الله -جل وعلا- في الآية الأخرى: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ .
ثم إن الله -جل وعلا- نص في هذه السورة على عبادتين عظيمتين: هما الصلاة والذبح؛ ولهذا كان -صلى الله عليه وسلم- يحب هذه الصلاة، وجعلت قرة عينه في الصلاة.
وما نُقِلَ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- عبادة كما نقل عنه عليه الصلاة والسلام في شأن الصلاة؛ ولهذا رآه أصحاب كثيرون من أصحابه وهو يصلي، وصلى معه كثير من أصحابه، ونقل صلاته -صلى الله عليه وسلم- في بيته، وفي مسجده، ونقلت صلاته -صلى الله عليه وسلم- في حال صحته، وحال مرضه؛ لأنه كان -صلى الله عليه وسلم- شديد الاهتمام بها.
وكذلك النحر كان -صلى الله عليه وسلم- شديد الاهتمام به فقد ذبح -صلى الله عليه وسلم- في حجته ثلاثا وستين من الإبل بيده الشريفة، وكان -صلى الله عليه وسلم- إذا نزل من المنبر يوم الأضحى أول ما يباشر أن يذبح أضحيته لله -جل وعلا-.
فاستدل بعض العلماء بفعله -صلى الله عليه وسلم- هذا على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- امتثل هذه الآية غاية الامتثال وإن كان -صلى الله عليه وسلم- مطيعا لله إلا أنه في هاتين العبادتين كان حريصا عليهما، شديد الاهتمام بهما؛ لأن الله -جل وعلا- أمره بهما أمرا عاما، ثم أمره ربه -جل وعلا- بهما أمرا خاصا في هذه السورة.
ثم قال جل وعلا: إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ يعني: إن مبغضك وكارهك هو المنقطع، وهذا هو الأبتر، وإن كان في أصل اللغة يطلق على المنقطع الذي لا ولد له، إلا أن المراد به هاهنا الانقطاع من كل خير، فينقطع الإنسان من عبادة الله -جل وعلا- وعمل الصالحات، وينقطع في الآخرة من أهله وماله؛ لأنه يخسرهما، وينقطع في الدنيا بعد موته بألا يكون له ذكر في عباد الله المؤمنين، إلى أنواع كثيرة من الانقطاع.
ولهذا ذكر بعض العلماء أن الإنسان بحسب كراهيته بما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- يكون له حظ من هذا الانقطاع، فمُسْتَقِلّ ومستكثر.
ولهذا من العلماء من ذكر أن من تليت عليه آيات الله -جل وعلا- في الصفات، أو في التوحيد، أو في طاعة الوالدين، أو في صلة الأرحام، أو في الصلاة، أو في الزكاة، أو في غيرها فاشمئز قلبه، فله نصيب من هذا الانقطاع، بحسب ما عنده من البغض والكراهية.
وأخبر الله -جل وعلا- أن مبغض النبي -صلى الله عليه وسلم- ويدخل فيه المبغض لسُنَّتِهِ -عليه الصلاة والسلام- هو الأبتر، يعني: هو الأبتر، هو المنقطع من كل خير، عياذا بالله جل وعلا.
وقوله جل وعلا: إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ وهذا وإن كان واردا على سببٍ اختلف النقلة فيه، وهو أن بعض المشركين على اختلاف في أسمائهم كانوا يسمون النبي -صلى الله عليه وسلم- الأبتر؛ لأنه لم يولد له ولد ذَكَر، وأنه عليه الصلاة والسلام سينقطع ذكره، فرد الله -جل وعلا- عليهم بهذه الآية إلا أنها تَعُمّ من جاء بعدهم، ومن كان مماثلا لحالهم.








سورةالماعون
تفسير سورة الماعون


أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم : أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ .


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الله -جل وعلا-: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ أي: أخبرني عن الذي يكذب بالدين ما حاله؟ وما شأنه؟ ثم بيَّن الله -جل وعلا- حاله؛ لأن هذا الاستفهام لم يرد به الله -جل وعلا- الاستخبار؛ لأن الله -جل وعلا- أعلم بحاله ووصفه؛ فلهذا بين الله -جل وعلا- صفته، فقال سبحانه وتعالى: فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ لأن من صفة الذي يكذب بيوم الدين أنه يدع اليتيم، بمعني أنه يدفعه دفعا شديدا، ويقهره، فيتسلط عليه إما في بدنه، وإما في ماله. وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ وهذه صفة أخرى، فهذا الذي يكذب بيوم الدين، لا يحث غيره على إطعام المسكين، فهو في نفسه لا يحث على الإطعام، فهو في نفسه لا يطعم، كذلك لا يحض غيره على الإطعام؛ لأن العادة قاضية بأن الذي يحض على الإطعام هو الذي يباشر الإطعام بنفسه قبل ذلك.
وهذان الوصفان ذكرهما الله -جل وعلا- كثيرا عن المكذبين بيوم الدين: كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ فهاتان الصفتان متعلقتان بالذي يكذب بيوم الدين، وإنما صنع ذلك؛ لأنه يكذب بيوم الجزاء والحساب، فلا يعتقد أن هناك يوما يرد إليه، فيجازيه الله -جل وعلا- على سيئاته، أو يجزيه على حسناته، يجازيه على السيئات إن أساء إلى هذا اليتيم، أو ترك الإطعام، والحض عليه.
وكذلك هو لا يرجو ثواب بِرِّ اليتيم، ولا ثواب التَّحَاضّ على طعام المسكين؛ لأنه لا يظن أن هناك يوما يعيد الله -جل وعلا- فيه العباد؛ ليكافئهم ويجازيهم على أعمالهم.
قال الله -جل وعلا-: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ أي: الذين هم عن صلاتهم غافلون بتضييعها، كما قال الله -جل وعلا- في الآية الأخرى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا أو أن هؤلاء المصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون كانوا من المنافقين؛ لأنهم لا يفعلون الصلاة إلا رياء وحفظا لدمائهم، ولا يفعلونها لله -جل وعلا- فهم عن صلاتهم معرضون، يؤدونها في ظاهرها خوفا من المؤمنين، أو يضيعونها في أوقاتها الأخرى، أو لا يؤدون الصلاة، كما شرعها الله جل وعلا.
وهذه كلها صفات للمنافقين، وهذه الآية مثل قول الله -جل وعلا-: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا وأما الذي يسهو في صلاته، فليس بداخل في هذه الآية؛ لأن هناك سهو عن الصلاة وسهو في الصلاة، فما كان في الصلاة فهذا يقع من المؤمن، من البر والفاجر، وقد وقع من أزكى البشر -صلى الله عليه وسلم- وقد سها عليه الصلاة والسلام، ونقل عنه ذلك في خمسة أحاديث صحيحة.
والسهو في الصلاة -كما ذكر بعض العلماء- لا يلزم منه أن يكون الإنسان غافلا عنها؛ لأنه قد يسهو في صلاته بسبب صلاته، فقد يطيل القراءة تعبدا لله، فينسى كم صلى من ركعة؟ وقد يناجي ربه -جل وعلا- ويتضرع بين يديه، ويقدم حاجته لله -جل جلاله- بإلحاح شديد، فيغفل عن عدد الركعات، ولهذا قال بعض العلماء: لا يلزم من السهو في الصلاة أن يكون الإنسان غافلا عنها، بل قد يسهو في الصلاة؛ لكونه مشتغلا بهذه الصلاة.
وعلى هذا حمل بعض العلماء سهو النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصلاة، وبعضهم حمل سهوه -صلى الله عليه وسلم- على أن الله -جل وعلا- أراد أن يشرع لهذه الأمة، ويبين لها الحكم إذا سهوا في صلاتهم، فأراد أن يسهو نبيه -صلى الله عليه وسلم- ليشرع للأمة؛ ويبين لهم أحكام هذا السهو.
ثم قال جل وعلا: الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ أي: يراءون في عباداتهم، فيفعلونها رئاء الناس، لا يرجون برها، ولا ثوابها من عند الله -جل وعلا- وإنما يصنعونها ليراهم الخلق؛ فلهذا إذا راءوا بها في الدنيا راءى الله -جل وعلا- بهم في الآخرة.
ثم قال جل وعلا: وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ يعني: أنهم يبخلون بما عندهم حتى الماعون، وهو الشيء القليل؛ لأنه مأخوذ من المعن، وهو الشيء القليل حتى الشيء القليل يبخلون به، وقد مثَّله بعض السلف بالفأس ونحوه؛ لأن هذه أشياء قليلة، فإذا بخل بالشيء القليل، فمن باب أولى أن يبخل بالشيء الكثير.
وقد ذكر بعض العلماء أن هذه السورة … إذا اجتمعت هذه الأوصاف في عبد، فإنه لا يكون إلا منافقا، وقد يكون في المسلم بعضها، لكن لا تجتمع هذه الأوصاف فيه، وبعض العلماء ذكر أن هذه السورة في المنافقين؛ لأنها تماثل ما ذكره الله -جل وعلا- عنهم في قوله في هذه السورة: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ .
قال: هذه تُمَاثِل ما ذكره الله -جل وعلا- عنهم في قوله: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا وفي قوله جل وعلا: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ نعم.









سورة قريش
بسم الله الرحمن الرحيم : لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ .

هذه السورة ذكر بعض العلماء أنها مرتبطة بالسورة التي قبلها والمعنى أن الله -جل وعلا- صنع ما صنع بأصحاب الفيل من أجل قريش؛ لأجل أن يكونوا مجتمعين متآلفين كما كانوا قبل أبرهة؛ ولأجل أن يكونوا مؤتلفين مجتمعين في رحلتهم، أو في رحلتيهم: رحلة الشتاء، والصيف.

وقال بعض العلماء -وهو الذي اختاره ابن جرير رحمه الله-: إن هذه السورة مستأنفة، وأنها ليست متصلة بما قبلها؛ لأن العلماء مُجْمِعُونَ على أن هذه سورة، وهذه سورة، وأنه قد فُصِلَ بينها في الكتاب الذي اجتمعت عليه الأمة في عهد عثمان بن عفان -رضي الله تعالى عنه- اجتمعوا أو كتب في ذلك: "بسم الله الرحمن الرحيم" للفصل بين السورتين.
وعلى هذا يكون المعنى أو تكون اللام في قوله "لإيلاف" هذه للتعجب أي: اعجبوا لإلفة قريش رحلة الشتاء والصيف، أي: اعجبوا لقريش؛ لأنهم ألفوا رحلة الشتاء والصيف، فكانوا مُدَاومين عليها، إذا جاء الصيف رحلوا إلى الشام، وإذا جاء الشتاء رحلوا إلى اليمن؛ لأن الشام تكون في الصيف باردة، واليمن تكون في الشتاء أدفأ من الشام؛ فلذا كانت لهم رحلتان: رحلة الشتاء إلى بلاد اليمن، ورحلة الصيف إلى بلاد الشام.
ثم قال الله -جل وعلا-: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ يعني: فليعبدوا رب البيت الحرام، الذي جمعهم الله -جل وعلا- حوله، فكانوا أهلا لهذا البيت، اجتمعوا حوله وتآلفوا، وكان لهم حظ عند العرب لا يُمَسُّونَ بسوء؛ لأنهم يعتبرونهم أهل هذا البيت.
قال الله -جل وعلا-: الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ أي: فليعبدوا ربهم، رب هذا البيت الذي من وصفه -جل وعلا- أنه أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ فقد كانوا في مكة تأتيهم الأرزاق من كل الجهات؛ لأن مكة كانت مقصودة بالحج، تحج إليها العرب، وكانت لهم فيها مواسم، فكانت قريش ينتفعون بما يَقْدُم به أولئك، ينتفعون بما يقدمون به، كما أن قريشا تنتفع بما عندها، أو تنتفع ببيع ما عندها إلى أولئك.
ومن ذلك أنهم كانوا يأتيهم رزقهم رغدا من كل مكان، وكانوا يعيشون في أمن؛ لأنهم كما تزعم العرب أهل الله، فلا يمسون بسوء؛ ولهذا امتن الله -جل وعلا- عليهم بذلك، فقال تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ وقال جل وعلا: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا .
وقال الله -جل وعلا- مبينا هذه النعمة، وأنه جل وعلا غيَّرها على أهل مكة لما غيروا على أنفسهم، بعد بعثة النبي -صلى الله علية وسلم- قال تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً وهذه القرية مكة كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ .
فلما كفروا هذه النعمة سلبهم الله -جل وعلا- إياها، فذلك دليل على أن رغد العيش الذي كانوا يعيشون فيه، وعلى أن الأمن الذي كانوا يعيشون فيه، أن هذا كان الأحرى والأولى بهم أن يعبدوا الله -جل وعلا- لأن ذلك مما يوجب عبادة الله جل وعلا.
ولكنهم لما أعرضوا، ولم يتفكروا فيما نُزِّلَ إليهم، ولم يتفكروا في نعم الله -جل وعلا- أصمهم الله -جل وعلا- وأعمى أبصارهم، وجعل على قلوبهم أكنة، فلم يهتدوا إلى شرع الله -جل وعلا- ولم يؤمنوا برسوله -صلى الله عليه وسلم- بل كذبوه فأخذهم العذاب، وهم ظالمون، والله -تعالى- أعلم، وصلى الله عليه وسلم على نبينا محمد.

رد باقتباس
  #4  
قديم 10-15-2009, 08:04 AM
+
ahmed zoma ahmed zoma غير متصل
مشرف اقسام الاغانى و الافلام



 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الإقامة: Assuit
المشاركات: 21,196
افتراضي رد: تفسير القران الكريم كاملا ( ارجوا التثبيت)

تفسير سورة الفيل

تفسير سورة الفيل


بسم الله الرحمن الرحيم : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ .


هذه حادثة حدثت في زمن الجاهلية، في السنة التي ولد فيها نبينا -صلى الله عليه وسلم- وهذه حادثة حق وصدق، يجب على كل مؤمن أن يؤمن بها، وأن يعتقدها؛ لأن الله -جل وعلا- ذكرها في كتابه، وهذه الحادثة هي أن أبرهة الأشرم كان واليا على اليمن للنجاشي الذي كان ملكا للحبشة، فأراد أن يقدم للنجاشي شيئا، فصنع كنيسة ببلاد اليمن عالية في بنائها، مزخرفة في جدرانها، أنفق عليها مالا كثيرا.

ثم أراد صرف العرب ليحجوا إليها؛ لأنه كان نصرانيا، والعرب كانوا وثنيين، ولكن بعضهم كان مُتَحَنِّفًا، وبعضهم كان يدين الله -جل وعلا- ببعض دين إبراهيم الخليل -عليه السلام- فأراد صرف العرب إلى ذلك، وأمرهم به، فغاظت العرب من ذلك، سواء منهم مَن كان في بلاد اليمن من العدنانيين والقحطانيين، أو في مكة من قريش.
فقام رجل من قريش، وسافر إلى بلاد اليمن، وتغوط في هذه الكنيسة، ثم تركها وسار، لا يدري عنه أحد، ولما علم بذلك أبرهة، أراد أن يُسَيِّرَ جيشًا؛ ليهدم الكعبة؛ حتى يصرف الناس جميعا إلى هذه الكنيسة التي بناها.
ولكن الله -جل وعلا- فيما قضاه من سابق علمه أن هذا البيت يبقى، وأن فريضة الحج والعمرة لا تزال به، وأن المؤمنين يتوجهون إليه في صلاتهم بعد بعثة نبينا -صلى الله عليه وسلم- وأن الله -جل وعلا- في سابق علمه قد حَرَّمَ هذا البيت يوم خلق السماوات والأرض، وجعله بلدا آمنا.
فلما قدم أبرهة بجيوشه، وعلى رأسهم فيل عظيم يقال له: محمود، ومعه نحو من ثمانية أفيال؛ لما ساروا إلى هذا البيت قاتلهم بعض العرب، وهم في طريقهم إلى البيت، ولكن أبرهة استطاع أن يتغلب عليهم؛ لقوة جيشه.
فلما اقترب من البيت الحرام خرج إليه عبد المطلب جد النبي -صلى الله عليه وسلم- وفاوضه على أن يسترجع عبد المطلب منه مائتين من الإبل، كان أخذها جند أبرهة من المرعى الذي كانت ترعى فيه هذه الإبل، فتعجب أبرهة من سؤال عبد المطلب له هذه الإبل مع أنه يقصد هدم البيت الذي كان المشركون يتعبدون فيه، وكانوا يعظمونه حتى من التجأ إليه إلى هذا البيت، ولو كان قاتل أبي الإنسان، أو قاتل أخيه، أو قاتل ولده، واعتصم بهذا البيت، فإنه لا يمس بسوء.
فتعجب أبرهة من طلب عبد المطلب، وذكر له ذلك فقال: إن للبيت ربا يحميه، وخرجت قريش إلى رءوس الجبال، وتركوا البيت، فلما أراد الجيش أن يدخل البيت الحرام، صرف الله -جل وعلا- هذا الفيل، فلم يستطيع القيام فضرب ضربا شديدا بالخشب وبجميع الوسائل، فلم يقم، فلما صرف إلى اليمين، أو إلى الشمال، أو إلى الجهة الثالثة، فإنه يسرع سرعة شديدة.
وبينما هم كذلك إذ أرسل الله -جل وعلا- عليهم حجارة تحملها طير، وهذا الطير لا يُعْرَف، بل جاء من قِبَل البحر، كل طائر منها يحمل ثلاثة أحجار: حجرا في منقاره، وحجرين في رجليه، فألقوها على جيش أبرهة، قال الله -جل وعلا- لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أي: ألم تعلم يا محمد ما فعل ربك بأصحاب الفيل.
والمعنى: قد علمت يا محمد؛ لأن هذا استفهام تقريري، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قد علم هذه الحادثة علما متواترا، قبل أن ينزل الله -جل وعلا- عليه القرآن؛ فلهذا قال له ربه: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ أي: ألم تعلم ما فعله الله -جل وعلا- بأصحاب الفيل، كان أمرا مشهورا معروفا معلوما متواترا عند المشركين، لا يتطرق إلى أحدهم أدنى شك من صحته.
قال الله -جل وعلا-: أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ أي: قد جعل الله -جل وعلا- كيد أولئك الذين يريدون المكيدة بالبيت جعل الله -جل وعلا- كيدهم في تضليل في ضلال وهباء وخسار، فلم ينتفعوا بمقصدهم، بل عذبوا عليه.
قال الله -جل وعلا- في بيان صفة قتلهم: وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ أي: أن الله -جل وعلا- أرسل عليهم طيرا جماعات، جماعات ترميهم بحجارة من سجيل، أي: ترميهم بحجارة من طين قد اشتد، وهو الذي كانت تحمله هذه الطيور: فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ أي: أن هؤلاء صارت نهاية أمرهم إلى أن صاروا كورق الشجر الذي أكلته الدواب، ثم تركت بقيته تدوسه بأقدامها، لا تلتفت إليه، فكذلك كان حال أولئك المعذبين، وهذا الطير طير حقيقي، وهذه الحجارة حجارة حقيقة، يجب على المسلم أن يعتقد ذلك، وأن يؤمن به، وأن يصدق؛ لأنه خبر الله جل وعلا. نعم.

















سورة الهمزة
تفسير سورة الهمزة


بسم الله الرحمن الرحيم : وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ .


قوله جل وعلا: "ويل" تقدم لنا أن هذا دعاء عليه بالهلاك، وأن الحديث الوارد في قوله في تفسير الويل، وأنه واد في جنهم، أنه لا يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وقوله جل وعلا: لِكُلِّ هُمَزَةٍ الهمزة هو المغتاب، كما قال الله -جل وعلا-: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ فسر ابن عباس وقتادة الهماز بأنه المغتاب، وقوله "هماز" هذه صيغة مبالغة، و"همزة" هنا أيضا هي صيغة مبالغة، فتدل على أنه كثير الاغتياب للناس.
وقوله جل وعلا: "لمزة" أي أنه يعيب الناس في وجوههم ويباشرهم بالعيب فالأول يذكرهم حال غيبتهم، وأما في الوصف الأول يذكرهم حال الغيبة، والوصف الثاني يذكرهم حال الحضور.
ويدل على ذلك، على تفسير اللمزة قول الله -جل وعلا-: الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ .
هذه الآية نزلت في قوم لمزوا المتصدقين، وذلك أنه لما نزلت آية الصدقة، صار المسلمون يحملون على ظهورهم، فيأتي أحدهم بالشيء الكثير، ويأتي بعضهم بالشيء القليل، فقال بعضهم -بعض المنافقين إذا رأى من جاء بالقليل- قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا، وإذا رأوا آخر جاء بالكثير قالوا: إن هذا لمرائي، فأنزل الله -جل وعلا- ذلك.
وهذا ظاهر في أنهم كانوا يقولون هذا، وهم يرون المؤمنين، وقوله جل وعلا: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ هذه الآية مبين معناها ما صنعه النبي -صلى الله عليه وسلم- حين قسم غنائم حنين، فجاءه رجل فقال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: اعدل. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- ويلك من يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله .
فقوله: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ هؤلاء مثل من صنع يوم حنين، وهذا طعن في النبي -صلى الله عليه وسلم- في وجهه -عليه السلام- وفي حال حضرته، فدل ذلك على أن الهمزة هو الذي يغتاب الناس، وأن اللمزة هو الذي يعيبهم في وجوههم.
قال الله -جل وعلا- في صفته أيضا: الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ يعني: أنه يجمع المال ويحصيه ويضن به ويبخل، فهو يجمع ويمنع؛ ولهذا هو حريص علي جمعه؛ حريص على إحصائه وعده: يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ أي: يظن أن هذا المال يخلده في الدنيا.
ولكن هذا المال لا يخلد أحدا؛ لأن الله -جل وعلا- قضى بالهلاك على كل نفس على هذه البسيطة، كما قال الله -جل وعلا-: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ فهذا المال لا يخلد أحدا.
وهذه الآية فيها إشارة إلى ذم الذي يجمع هذا المال من أجل أن ينفقه على أمور دنيوية؛ ليخلد به في الناس ذكراه؛ لأن بعض الناس ينفق نفقات لا لوجه الله، وإنما رياء وسمعة، فهذه الآثار التي تبقى بعده، وهو يقصد بها الرياء والسمعة وتخليد الذكرى، لا يقصد بها وجه الله، يكون داخلا في هذه الآية.
ثم قال الله -جل وعلا-: كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ يعني: أن الله -جل وعلا- يزجره عن هذا الظن؛ لأنه لا أحد يخلد بماله، وأخبر جل وعلا، وأقسم أن هذا الذي يصنع ذلك سيطرح في النار، وهي الحطمة.
والحطمة اسم من أسماء النار، سميت بذلك؛ لأنها يحطم بعضها بعضا من شدتها، كما رآها -صلى الله عليه وسلم- حين عرضت بين يديه صبيحة يوم كسوف الشمس في عهده -صلى الله عليه وسلم- فإنه عليه الصلاة والسلام أخبر أنه رأى النار يحطم بعضها بعضا.
وكذلك هي حطمة؛ لأنها تحطم ما يُلْقَى فيها؛ ولهذا تقول: هل من مزيد، قال الله -جل وعلا-: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ هذا تفخيم لشأن النار حتى يحذرها العباد.
ثم بين الله -جل وعلا- هذه الحطمة فقال: نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ يعني: نار الله التي أوقدها الله -جل وعلا- وجعلها موقدة وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ أي أنها تصل إلى قلب العبد، وتدخل إليه في نار جهنم إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ أي: أن هذه النار على هؤلاء يوم القيامة مغلقة ومطبقة، لا يخرجون منها.
وزيادة على هذا الإطباق يجعل الله -جل وعلا- أبوابها في عمد ممددة، أي: أن هذه الأبواب تجعل في عمد، وهذه العمد تكون زيادة في إطباق النار على الكفار، كما أن أبواب الدنيا يغلق الباب، ويوضع زيادة عليه مزلاج يزيد في قوته، وفي صكه وإمساكه.
كذلك النار يوم القيامة إذا أغلقت أبوابها عليهم فإنها تكون في عمد ممدة، وتكون هذه العمد مؤكدة للإطباق، زائدة في الاستيثاق، بأنهم لا يخرجون منها أبدا. نعم.









سورة العصر
بسم الله الرحمن الرحيم : وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ .

هذه السورة، سورة العصر هي التي قال فيها الإمام الشافعي -رحمه الله-: "لو ما أنزل الله على خلقه حجة إلا هذه السورة لكفتهم" وقد شرح ابن القيم -رحمه الله- كلام الإمام الشافعي في كتابه مفتاح السعادة، وبين رحمه الله أن هذه الآية مشتملة على أربعة أمور: -

الأمر الأول: العلم وهو معرفة الحق، وهو الذي دل عليه قوله جل وعلا: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا فالمؤمن يعلم أن الله حق، وأن وعده حق، وأن رسوله حق، وأن لقاءه حق، وأن الملائكة حق، وأن النبيين حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، ثم يعمل بذلك.
وقد دل عليه قوله جل وعلا: وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثم يدعو الناس إلى ذلك وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ويصبروا على العلم والعمل والتعليم فهذه أربعة أشياء إذا كملها الإنسان يكون مكملا لنفسه، ومكملا لغيره.
وهذه السورة أقسم الله -جل وعلا- فيها بالعصر، وهو الدهر كاملا، أو العصر وهو الوقت المعروف، أقسم به جل وعلا على أن الإنسان لفي خسر، والمراد كل الإنسان في خسر، في خسارة وهلاك، إلا من استثناهم الله -جل وعلا- بعد ذلك إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ .
والخسران هذا بيَّنه الله -جل وعلا- بأنه خسران الدنيا والآخرة في قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ .
وفي الآخرة يخسر نفسه وماله وأهله، كما دلت على ذلك النصوص الكثيرة كقول الله -جل وعلا-: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ وقال جل وعلا: فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ وقال جل وعلا: إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ .
وفي هذه السورة استثنى الله -جل وعلا- فيها مَن اتصفوا بالصفات الأربع التي تقدم ذكرها.
فقوله جل وعلا: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يعني: آمنوا بما يجب الإيمان به، وهي أركان الإيمان التي بيَّنها النبي -صلى الله عليه وسلم- وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ يعني: أوصى بعضهم بعضا بالحق، وهذا دليل على أن الإنسان في نفسه قد عمل الحق؛ لأنه لا يوصي غيره بالحق إلا إذا عمل به، وهذا يدل على أن هناك أمرا بالمعروف.
وقوله جل وعلا: وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ يعني: أوصى بعضهم بعضا بالصبر على طاعة الله، والصبر عن محارم الله، والصبر على أقدار الله، وذلك يقضي بأن هناك نهيا عن المنكر، فهؤلاء موصفون بأنهم مؤمنون، وأنهم يعملون الصالحات، وأنهم يتواصون بالحق، ويتواصون بالصبر، فيأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويدعون إلى الله جل وعلا.
والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، وإن كان من عمل الصالحات إلا أن الله -جل وعلا- خصه بهذا الذكر لشدة أو لحصول الغفلة عنه من كثير من الناس؛ لأن بعض الناس يظن أنه إذا اهتدى في نفسه، فإن ذلك يكفي، وهذا من الخلط؛ ولهذا قال الله: وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ فلا ينفع الإنسان أن يخرج من هذه الخسارة، إلا إذا أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر.
وقد يظن بعض الناس أن قول الله -جل وعلا-: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ يعارض هذه الآية؛ لأن هذه الآية تأمر بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر؛ وذلك يشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وآية المائدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ يظن بعض الناس أنه إذا اهتدى في نفسه كفى.
وقد أجاب العلماء عن ذلك وقالوا: إن الآيتين معناهما واحد، ولا اختلاف بينهما؛ لأن الله -جل وعلا- قال في آية المائدة: لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ما قال جل وعلا: لا يضركم من ضل إذا لم تأمروه بالمعروف وتنهوه عن المنكر، ولكن الله -جل وعلا- إذا ضل إنسان وكان أخوه المسلم يأمره بالمعروف، وإن كان هذا كافرا، يعني: إذا ضل إنسان بكفره، أو ضل الطريق المستقيم، أو وقع في شيء من المعاصي، وأمره أخوه بالمعروف ونهاه عن المنكر، ولكنه بقي على ضلاله، فإن هذا المؤمن تبرأ ذمته.
وأما إذا لم يأمره بالمعروف ولم ينهه عن المنكر فلا تبرأ ذمته؛ لأن من اهتداء الإنسان أن يكون آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، وإذا لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر لم يكن مهتديا؛ ولهذا جعله الله -جل وعلا- في هذا الآية في خسارة، وذلك دليل على أنه غير مهتد.
وقول الله -جل وعلا-: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ يدل على أن من لم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر فليس بمهتد.
فالشاهد أن قوله جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ أي: إذا ضل بعد أن أمرتموه بالمعروف، ونهيتموه عن المنكر ووقع منه ضلال، فلا يضركم ذلك شيئا؛ لأن إثمه إنما يعود لنفسه. أما إذا لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر فتأتي هذه الآية، آية العصر، ويكون الإنسان في خسارة. نعم.









سورة التكاثر

بسم الله الرحمن الرحيم : أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ .

يقول الله -جل وعلا-: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ يعني: أشغلكم التكاثر، وهذا التكاثر يكون بالمال، ويكون بالولد، ويكون بالجند، ويكون بالجاه، ويكون بالسلطان، ويكون بكل متاع من متاع الحياة الدنيا، إذا تكاثر به الإنسان، وألهاه عن طاعة الله جل وعلا.

فهذه الآية تذم المتكاثرين الذين يتكاثرون بالدنيا؛ لأن الدنيا لا ينبغي للمسلم أن يتكاثر بها؛ لأنها متاع زائل؛ ولهذا ذمها الله -جل وعلا- وذم هذا التكاثر. فقال جل وعلا: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا .
فهذا التكاثر مصيره إلى زوال، والعمل الصالح هو الذي يكون إلى البقاء، فذم الله -جل وعلا- المتشاغلين بالتكاثر على أيّ وجه كان هذا التكاثر، ولهذا حذف الله -جل وعلا- المتكاثَر به، ولم يذكره؛ ليعم كل شيء يتكاثر به الإنسان.
حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ يعني: حتى متم، ودفنتم في المقابر فهم استمروا على هذا اللهو، أو استمروا على هذا التكاثر الذي أغفلهم عن الآخرة، حتى وضعوا في قبورهم، وهذا الانشغال عن أمر الآخرة إنما جاء من الغفلة التي أورثها التكاثر؛ ولهذا قال الله -جل وعلا- مبينا أن الغفلة تجعل الإنسان يعرض عما أمامه: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ .
وقوله جل وعلا: حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ما قال الله -جل وعلا- حتى صرتم إلى الآخرة، ولكن قال: حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ ليبين للعباد أن هناك رجعة بعد الموت؛ لأن كل زائر يرجع، فالإنسان إذا زار أحدا بعد هذه الزيارة يرجع إلى أهله، فكذلك هذا الميت إذا مات، ووضع في قبره فهو زائر؛ لأن له مثوًى أخيرا، وهو الجنة، أو النار.
ولهذا قال العلماء: لا يصح أن يقال: دفن في مثواه الأخير؛ لأن القبر ليس مثوى أخيرا، وإنما المثوى الأخير الجنة أو النار، كما قال الله -جل وعلا- عن النار: فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ وقال جل وعلا: فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ .
فالمثوى الحقيقي هو ما يُرَدُّ إليه العبد في الآخرة إما إلى الجنة وإما إلى النار، وأما القبور والوضع فيها والدفن فيها، فإنما هو زيارة فقط، بعدها يرجع العبد إما إلى الجنة وإما إلى النار.
وهذه الآية خرجت أو هذه الآيات خرجت مخرج الذم، يعني: أن الإنسان الذي يصنع ذلك هو مذموم؛ لأنه انشغل بما لا ينفعه عما ينفعه؛ ولهذا ذم الله -جل وعلا- الاشتغال بالدنيا مع تضييع الآخرة فقال جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وقال جل وعلا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ .
ثم بعد ذلك توعد الله -جل وعلا- من صنع هذا يعني: مَن انشغل بالدنيا عن الآخرة فقال سبحانه: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ وهاتان الكلمتان والآيتان فيهما تهديد، وهذا أسلوب عربي معروف فقوله جل وعلا: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ هذا تهديد، ثم أكده جل وعلا بقوله: ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ .
ثم قال جل وعلا: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ أي: أنكم لو كنتم تعلمون ما أمامكم علما يقينيا جازما لما ألهتكم. .. لما ألهاكم التكاثر عما أمامكم، وهذا كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله .
فلكون النبي -صلى الله عليه وسلم- عنده من العلم اليقين ما يكون يوم القيامة لو علمه أصحابه -صلى الله عليه وسلم-، ورضي الله عنهم- لخرجوا إلى الطرقات يجأرون إلى الله -جل وعلا- لأن ما أمامهم أمر عظيم.
ثم قال الله -جل وعلا-: لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ وهذا قسم من الله -جل وعلا- أن العباد سيرون الجحيم، وهي النار، وهذا اسم من أسمائها وسميت بالجحيم؛ لأن نارها تتأجج، والعباد كلهم سيرون هذه النار، قال الله -جل وعلا- بعد ذلك: ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ أي: لترون النار بأم أعينكم تشاهدونها بأبصاركم يقينا لا يتطرق إليه أيّ شك؛ لأن الخبر قد يتطرق إليه الشك، أو لا يدركه الإنسان على وجهه كاملا.
وأما إذا عاين ذلك بعينه فإنه يوقن يقينا جازما؛ ولهذا لم يكن المخبر كالمعاين أبدا، وقوله جل وعلا: لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ هذا في جميع الخلق، سيرون النار يوم القيامة، ويرونها بأم أعينهم، كما قال الله -جل وعلا-: وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى لكن أهل التوحيد والإيمان يصرفهم الله -جل وعلا- عنها، وأهل النار يأمر الله -جل وعلا- بهم فيُلْقَوْن فيها.
قال الله -جل وعلا-: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ هذا تأكيد من الله -جل وعلا- بأن العباد سيسألون عن النعيم الذي هم فيه، ففي أول السورة قال: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ والذي يلهي الإنسان ويتكاثر به إنما هو النعيم، فأخبر جل وعلا أن العباد سيسألون عن هذا النعيم، وهذا السؤال من الله -جل وعلا- لعباده أجمعين ليس مختصا بالكافر دون المؤمن، وإنما العباد كلهم سيسألون.
سيسأله ربه -جل وعلا- عن هذا النعيم من أين اكتسبته؟ وفيما صرفه؟ وعلى أي وجه صرفه؟ وبماذا قابل هذا النعيم؟ فمَن اكتسب هذا النعيم من وجهه، وأنفقه وصرفه فيما أباح الله له، وصرفه على الوجه الذي أباح الله من غير إسراف ولا مخيلة، ولا تبذير، وقابل هذه النعم بشكر الله -جل وعلا- فإنه ينجو من مغبة هذا السؤال، ومن لم يجب الله -جل وعلا- فإنه يطرح إلى النار، إن لم يكن ممن سبقت له مغفرة الله -جل وعلا- من الموحدين.
وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه خرج ذات يوم فوجد أبا بكر وعمر، فقال لهما: ما أخرجكما هذه الساعة؟ قالا: أخرجنا الجوع. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: والذي نفسي بيده ما أخرجني إلا الذي أخرجكما، ثم اصطحبهما -صلى الله عليه وسلم- إلى رجل من الأنصار فأضافهم، وقدم للنبي -صلى الله عليه وسلم- وصاحبيه ماء عذبا وعذقا فيه بسر ورطب وتمر، وذبح لهم الشاة، فأكلوا منها، فلما انتهوا قال صلى الله عليه وسلم: والله لتسألن عن هذا النعيم .
فدل ذلك على أن المؤمن يُسأل عن النعيم، وأن هذا النعيم يسأل عنه المؤمن قل أو كثر، فمن أخذه من وجهه ووضعه في وجهه، وقابله بشكر الله -جل وعلا- فهو إلى خير، وإن لم يكن كذلك، فلا يلومن إلا نفسه، نعم.










سورة القارعه
تفسير سورة القارعة


بسم الله الرحمن الرحيم : الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ نَارٌ حَامِيَةٌ .


هذه السورة سورة القارعة، ذكر الله -جل وعلا- فيها ما يكون يوم القيامة، فقال جل وعلا: الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ وهذا فيه تعظيم لشأن يوم القيامة؛ لأن الله -جل وعلا- استفهم عنها أولًا مَا الْقَارِعَةُ ثُمَّ قَالَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ استفهام آخر، وهذا كله تعظيم لشأن ذلك اليوم.

والقارعة اسم من أسماء يوم القيامة سماه الله -جل وعلا- بذلك؛ لأن قيام هذه الساعة ورؤية أهوالها وفزعها يقرع القلوب، ولهذا كانت العرب تسمى الأمر الشديد المفزع تسميه قارعة؛ لأن قلوب العباد تنقرع له وتخشى وتَوْجَل وتضطرب.
ثم قال جل وعلا: يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ يعني: أن الناس إذا قرعتهم الساعة، وقامت ورأوا أهوالها، فإنهم يكونون كالجراد المنتشر، كما قال الله -جل وعلا-: يَوْمَ يَدْعُو الدَّاعِي إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ .
وتشبيه الله -جل وعلا- للعباد بالفراش؛ لأن قلوبهم في تلك الساعة تكون شبه زائلة، وتخف أحلامهم، ويصير بعضهم يموج في بعض، كما يموج الفراش بعضه في بعض، لا يدرون أين يذهبون، كما أن الفراش يموج بعضه ببعض، ويتداخل ويضطرب، حتى إذا أوقدت النار تهافت عليها، فكذلك بنو آدم يوم القيامة، إذا خرجوا من قبورهم للحشر إلى الله -جل وعلا- وقامت القيامة على الأحياء، فإنهم يكونون كالفراش المبثوث من شدة هول يوم القيامة.
وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ أي: تكون الجبال كالصوف الملون الذي ندف، والندف هو ضرب القطن أو الصوف، وهو العهن حتى ينتفش، وجاءته الريح فإنها تنشره وتفرقه، فقال جل وعلا: وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ وفي آية سَأَلَ سَائِلٌ يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ .
وهذه حالة من أحوال الجبال يوم القيامة؛ لأن الله -جل وعلا- يدك الجبال ويسيرها، وتكون كالعهن المنفوش، وتكون كالرمل المنهال، وتكون كذلك هباء منثورًا، والهباء هو ما يُرَى في شعاع الشمس، ثم بعد ذلك تكون سرابا، كما دل على ذلك القرآن العظيم في آيات كثيرة.
قال الله -جل وعلا-: فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ أي: من رجحت حسناته على سيئاته، فهو في عيشة راضية يعني: في عيشة مرضية، يعني: أنه يرضى تلك العيشة؛ لأن الله -جل وعلا- يُدْخِله جنات النعيم.
وهذا كما قال الله -جل وعلا-: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ثم قال جل وعلا: وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ يعني: أنه يهوي.
يأوي إليها، فكذلك النار، هذا الكافر يأوي إليها، وتكون مرده ومستقره، وهاتان الآيتان تدلان على إثبات الميزان يوم القيامة، وقد دل كتاب الله -جل وعلا- وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- وأجمع عليه أهل السنة والجماعة أن هناك ميزانا حقيقيا يوم القيامة.
جعله الله -جل وعلا- في ذلك الموقف لإظهار عدله -سبحانه وتعالى- وإقامة الحجة على الخلق، وقطع المعاذير عليهم، وإن كان الله -جل وعلا- قد علم ما عملوا، وأحصاه عليهم، ولكنه جل وعلا ينصب الموازين يوم القيامة لإقامة العدل.
قال الله -جل وعلا-: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ والعلماء مجمعون على هذا الميزان، وأنه ميزان له كفتان، لكن ما الذي يوزن؟ هل توزن الأعمال، أو توزن الصحائف، أو يوزن العمل، الله -جل وعلا- في هذه الآية قال: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ .
هل ثقلت بالعاملين؟ أو ثقلت بصحائف الأعمال؟ أو ثقلت بالعمل؟ دلت النصوص على أن هذه الأشياء الثلاثة كلها توزن، قال الله -جل وعلا- في شأن وزن الإنسان في آخر سورة الكهف: فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: إن الرجل السمين العظيم ليأتي يوم القيامة ما يَزِنُ عند الله جناح بعوضة، وتلا قوله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا

.
ودل الدليل أيضا على أن العمل يوزن، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم فهذا يدل على أن هاتين الكلمتين توزنان يوم القيامة، ومثله قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: والحمد لله تملأ الميزان .

ودل الدليل كذلك على أن صحائف الأعمال توزن كما جاء في حديث "البطاقة" المشهور، وقد صححه جمع من العلماء، وهو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر أنه يصاح يوم القيامة برجل من أمته على رءوس الخلائق فينشر له دواوين، أو ينشر له تسعة وتسعون سجلا، كل سجل مد البصر، فإذا نشرت هذه السجلات اطلع على سيئاته فيها واستنطقه ربه -جل وعلا- أليست هذه ذنوبك؟ قال: بلى، قال أظلمك الحفظة الكاتبون؟ قال: لا يا رب. فيقول: هل لك من حسنة؟ فيقول: لا. فيقول الله -جل وعلا-: بلى فإنه اليوم لا ظلم.
قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيخرج الله -جل وعلا- له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فتوضع البطاقة في كفة، والسجلات في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة فهاهنا وزن لصحيفة العمل، وهي هذه السجلات.
فدلت هذه النصوص وأمثالها على أن يوم القيامة فيه ميزان، توزن فيه الأعمال، وتوزن فيه الصحائف، ويوزن فيه العاملون.
وقد دل على ذلك كتاب الله -جل وعلا- في آيات كثيرة كما قال الله -جل وعلا-: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ وقال جل وعلا: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ .
وقال جل وعلا: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وقال جل وعلا: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ إلى غير ذلك من النصوص الدالة على أن هناك ميزانا يوم القيام توزن به أعمال العباد وصحائفهم، ويوزن العباد فمن ثقلت موازينه ورجحت حسناته على سيئاته، فهو من أهل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته، فهو من أهل النار. نعم.

رد باقتباس
  #5  
قديم 10-15-2009, 08:07 AM
+
ahmed zoma ahmed zoma غير متصل
مشرف اقسام الاغانى و الافلام



 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الإقامة: Assuit
المشاركات: 21,196
افتراضي رد: تفسير القران الكريم كاملا ( ارجوا التثبيت)

سورة العاديات

بسم الله الرحمن الرحيم : وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ .

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، قال الله -جل وعلا-: وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا هذا إقسام من الله -جل وعلا- بالخيل، فهذه الصفات صفات للخيل، ولكن الخيل لم يذكرها الله -جل وعلا- هاهنا؛ لأن هذه الصفات تكون في الخيل معروفة عند العرب.

كذلك فقوله جل وعلا: "والعاديات" فالعاديات جمع عادية، وهي التي تسرع في الجري، وقوله جل وعلا: "ضبحا" هذا مأخوذ من الضبح، أو قوله: "ضبحا" هذا مصدر يدل على أن هذه الخيل التي تعدو يخرج منها نفس وصوت، ليس بهَمْهَمَة ولا صهيل، فهذه الخيل إذا جرت جريًا شديدًا يكون لها صوت. فقوله جل وعلا: وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا أي: والخيل العاديات التي يخرج منها صوت من صدرها ليس بصوتها المعتاد من صهيل أو همهمة.
ثم قال جل وعلا: فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا الموريات: جمع مورية، وهي أن الخيل إذا ضربت بحافرها على الحجارة خرج منها نار، وهو المراد بقوله جل وعلا: فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا يعني: تنقدح النار إذا صكت رجلها في هذه الحجارة انقدحت النار.
ثم قال جل وعلا: فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا يعني: أن هذه الخيل تغير في الصباح على العدو، ثم قال جل وعلا: فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا أي أن هذه الخيل العادية المذكورة بالأوصاف السابقة تثير غبارًا، وهو النقع في وسط العدو.
وقوله: فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا أي أنها تتوسط جموع العدو، ففي الأول ذكر الله -جل وعلا- ذلك بالاسم، ثم ذكره بعد ذلك بالفعل، قوله: فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا والأول كانت أسماء، وقال بعض العلماء: إن الله -جل وعلا- ذكر هاهنا الفعل فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا لأن ما تقدم وسيلة إلى هذه، فالأول وسائل الذي هو العدو والإغارة، هذه كلها وسيلة إلى أن تتوسط هذه الخيل وسط العدو، وتثير النقع، وهو التراب في وجوه الأعداء.
وهذا قسم من الله -جل وعلا- أقسم به جل وعلا على أن الإنسان لربه لكنود ولذلك قال بعد ذلك: إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ أي: إن الإنسان لربه لكفور جاحد، والمراد بذلك أن الإنسان يكفر نعمة الله -جل وعلا- عليه.
ثم قال جل وعلا: وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ أي: الإنسان على هذا الكنود شهيد. وهذا عند بعض أهل العلم أن الضمير عائد إلى الإنسان لأن الضمير قبله والضمير بعده يرجع إليه، وإذا قلنا: إنه عائد للإنسان، فقد يقول قائل: يشكل على هذا قول الله -جل وعلا-: إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ وقول الله -جل وعلا-: وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا .
فهنا ذكر الله -جل وعلا- أن الإنسان الكافر وهو يفعل هذه الأفعال يحسب ويعتقد أنه مهتد، وفي هذه الآية يقول الله -جل وعلا-: إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ أي: شاهد على كفره لنعمة الله جل وعلا.
وقد أجاب العلماء عن ذلك بأن قوله جل وعلا: إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ أي: هو وإن لم يشهد بلسانه ويقل بلسانه: إني كفور لنعمة الله، فأفعاله وحاله شاهدة على ذلك، وإن لم ينطق بذلك.
فقوله جل وعلا في الآية: وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ أي حاله شاهدة على كفره لربه -جل وعلا- وجمهور العلماء يرون أن الضمير عائد إلى الله -جل وعلا- وأن الله -جل وعلا- هو الذي شهيد على كفر هذا الإنسان لنعمة الله -جل وعلا- وحينئذ لا يبقى إشكال بين هذه الآية وآيتي الأعراف والكهف.
ثم قال جل وعلا: وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ أي: أن هذا الإنسان الذي كفر نعمة الله -عز وجل- هو حريص على المال يحبه ويجمعه، وهذا كما قال جل وعلا: إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا فهو يجمع هذا المال ويحرص عليه ويحبه حبًا شديدًا.
وهذا كما قال الله -جل وعلا-: كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا .
ثم قال جل وعلا: أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ يعني: أفلا يعلم هذا الكافر أن أهل القبور يبعثون، وأن ما في الصدور يُجْمَع ويُبْرَز، ويظهر للعيان.
قد جمع الله -جل وعلا- في هذه الآية بين القبور والصدور؛ لأن القبر يواري الجسد، والصدر يخفي في باطنه أعمالًا، لا تنكشف في الدنيا؛ فلهذا إذا كان يوم القيامة أظهر الله -جل وعلا- الأجساد من القبور، وأظهر ما تُكِنُّهُ الصدور، فكان الجميع بارزًا ظاهرًا بين يدي الله جل وعلا.
وخص الله -جل وعلا- الصدور هنا بالذكر؛ لأن الصدر فيه القلب، والقلب هو المحرك لهذه الجوارح، فإن لم يلتفت القلب إلا إلى الله -جل وعلا- كانت الجوارح مسخرة في طاعة الله، وإن انحرف القلب انحرفت الجوارح، فبحسب انحراف القلب تنحرف الجوارح، ولهذا ذكره الله -جل وعلا- في هذه الآية.
ثم قال جل وعلا: إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ أي: إن الله -جل وعلا- يوم القيامة خبير بعباده، وليس معنى ذلك أن الله -جل وعلا- حال الحياة الدنيا ليس بخبير بعباده، بل هو خبير جل وعلا بهم في الدنيا والآخرة، ومحيط بهم وعالم، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب الكثيرة.
ولكن قال العلماء: إن قول الله -جل وعلا-: إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ نصص الله -جل وعلا- على ذلك اليوم، وأنه يخبر فيه عباده؛ لأن تلك الخبرة، أو ذلك العلم من الله عز وجل يتبعه الجزاء، فقوله جل وعلا: إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ هذا فيه إيذان بجزاء الله -جل وعلا- لعباده؛ لأن الله -جل وعلا- يعلم ما يصنعه عباده في الدنيا ولكن الله -جل وعلا- ما جعل الدنيا دار جزاء؛ فلذلك يؤخرهم إلى الآخرة، فإذا جاءت الآخرة كان الجزاء.
وعندئذ نص الله -جل وعلا- في هذه الآية على أنه خبير بهم يعني أن الموجب لهذا العلم والإحاطة التامة في تلك الساعة هو جزاء العباد.

















سورة الزلزلة


بسم الله الرحمن الرحيم : إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ

هذه سورة الزلزلة جاء في حديثين أن قراءتها في ليلة تعدل قراءة نصف القرآن، وهذان الحديثان ننبه عليهما، وأنهما حديثان ضعيفان، لا يصحان عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيها، لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال ذلك.

ولكن هذه سورة قد ذكر الله -جل وعلا- فيها ما يكون يوم القيامة، أو ذكر فيها شيئا مما يكون يوم القيامة، فقال جل وعلا: إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا يعني: أن الأرض يوم القيامة ترجف وتضطرب اضطرابًا شديدًا.
الله -جل وعلا- خلق هذه الأرض، وأسكنها وجعلها مستقرة، فإذا جاء يوم القيامة فإن هذه الأرض تضطرب وترجف رجفًا شديدًا، وتميد بأهلها كما قال الله -جل وعلا-: إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا وقد تقدم بيان ذلك.
وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا يعني: أن الأرض تُخْرِج ما فيها من الأموات، كما قال الله -جل وعلا-: وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ وتقدم بيان ذلك.
وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا يعني: أن الإنسان إذا شاهد أهوال يوم القيامة، ورأى هذه الأرض ترجف رجفًا شديدًا، قد أخرجت ما في باطنها يقول مندهشًا: ما لها، أي شيء حدث لها؟ وهذا كما يحصل إذا حصل اضطراب في شيء من المخلوقات بسرعة، فإن الإنسان يتعجب من ذلك ويندهش ويقول: لماذا حدث؟ أو لأي شيء حدث هذا ؟
كذلك يوم القيامة لشدة الوقعة على الناس، وفزع القلوب، وقروع هذا الهول في قلوبهم، فإن الإنسان يقول: ما لها أي ما للأرض؟ وهذا يدل على شدة هذه الزلزلة، وعلى شدة الهول، كما قال الله -جل وعلا-: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ .
قال الله -جل وعلا-: يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا أي: يومئذ تخبر الأرض الناس أخبارها، يعني: تخرج الأخبار، قال كثير من السلف معناها: أن الأرض تخبر الناس بما عملوا عليها، تخبر كل إنسان بما عمل على هذه الأرض، وذلك من إنطاق الله -جل وعلا- لها؛ لأن الذي ينطق الجلود، وينطق الأسماع والأبصار والأيدي والأرجل يوم القيامة ينطق الأرض كذلك، فتخبر العباد بما فعلوا عليها.
وقد جاء في ذلك حديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قرأ هذه الآية، وقال: أتدرون ما أخبارها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. فأخبر -صلى الله عليه وسلم- أن هذه الأرض تشهد على كل عبد وأمة بما عمل عليها، تقول: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا ولكن هذا حديث -أيضًا- لا يثبت، ولا يصح عن النبي -عليه الصلاة والسلام- فيه راو ضعيف، ولكن تفاسير السلف، أو أكثر السلف يدور تفسيرهم على هذا المعنى.
ثم قال جل وعلا: بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا أي: تُظهر هذه الأخبار، بسبب أن الله -جل وعلا- أوحى لها أن تُظْهِر هذه الأخبار، وذلك يعود إلى مشيئة الله -جل وعلا- وقدرته، فلو لم يوح لها ويلهمها ذلك ما أخرجت أخبارها، ولكنه جل وعلا أوحى لها فأخرجت أخبارها لتشهد هذه الأرض على العبد بما عمل عليها.
قال تعالى: يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ يعني: أن الناس يوم القيامة يصدرون من قبورهم إلى الموقف؛ ليروا أعمالهم يخرجون من قبورهم، وهم أصناف:
فريق مُسْوَدَّة وجوههم، وفريق مُبْيَضَّة وجوههم، وفريق من أهل النار، وفريق من أهل الجنة، يصدرون إلى الموقف ليروا أعمالهم، فإذا رأوا أعمالهم أقيمت عليهم الحجة، كما قال الله -جل وعلا-: وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا .
فكل عبد يوم القيامة يرى صحيفة عمله، فهم يصدرون إلى الموقف؛ ليروا ويطلعوا على أعمالهم، قال الله -جل وعلا-: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ أي: من يعمل في هذه الدنيا مثقال ذرة خيرًا يره يوم القيامة، والذرة فُسِّرَتْ بأنها النملة، وفسرت بأنها الهباء الذي يكون في شعاع الشمس إذا دخلت من النافذة، وفسرت بأنها التراب الذي يلصق باليد بعد ضربها بالأرض.
ولكن هذه الذرة ليست هي أصغر شيء في الكون؛ لأن الله -جل وعلا- قال: وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ فدل على أن هناك شيئا دون الذرة، يسطره الله -جل وعلا- في الكتاب.
ثم قال -جل وعلا-: وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ أي يرى ذلك مكتوبًا يوم القيامة، هاتان الآيتان قال الله -جل وعلا- فيهما: يره ولم يقل: يجازى عليه.
وفَرْقٌ بينهما؛ ولهذا المؤمن يوم القيام يحاسبه الله -جل وعلا- حسابًا يسيرًا، وهو العرض: فيدنيه الله -جل وعلا- ويقرره بذنوبه ويقول: قد عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا. فيقر بذلك، ثم يقول له الله -جل وعلا-: قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم .
فالله -جل وعلا- أطلعه على عمله، وأراه عمله، ولكن الجزاء شيء آخر؛ ولهذا لا يَرِدُ على الآية الثانية ما ذكره بعض العلماء من أن الله -جل وعلا- هنا ذكر أنه يُطْلِع الكافر على سيئاته، مع أنه جل وعلا أخبر في آيات أخرى أن أعمالهم حابطة، وأنهم ليس لهم عليها حسنات كما قال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ .
وقال جل وعلا: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا وقال جل وعلا: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ وقال سبحانه: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ .
فهذا يدل على أن الكافر يقدم يوم القيامة، وليس له حسنة، والآية التي معنا تدل على أنه يطلع على حسنات، ومع هذا لا تعارض بينهما؛ لأن الله في الآية، قال: يَرَهُ ولم يقل: يجازى عليه، فهو ينشر له صحفية عمله، ويطلع على حسناته وسيئاته، ولكن حسناته قد حبط ثوابها بكفره.
ثم إن حسناته قد كوفئ عليها في الدنيا، كما ثبت ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الكفار يُجَازَوْن بما صنعوا من الحسنات في الدنيا بمثلها في الدنيا، لكن في الآخرة ليس لهم عند الله -جل وعلا- من نصيب. فقوله جل وعلا: يَرَهُ هو الكافر يرى يوم القيامة ما عمل من خير وشر، ولكن عند الجزاء يحبط عمله؛ بكفره بالله جل وعلا.

ثم إن الله -جل وعلا- قد كافأه على حسناته بمثلها في الدنيا؛ لأن الكافر لا يرجو ثواب الله -جل وعلا- في الآخرة؛ فلهذا عجل له نصيبه في الدنيا؛ وإذا قدم على الله -جل وعلا- كان عمله حابطًا، والله -جل وعلا- أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.


















سورة البينه



بسم الله الرحمن الرحيم : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ .


قول الله -جل وعلا-: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ هذه الآية أشكلت على كثير من العلماء، وحصل في كلام كثير منهم اضطراب، وحصل فيه تفسير لهذه الآية بما قد يناقضها مما يأتي من الآيات بعدها، ولكن هدى الله -جل وعلا- بهذا الكتاب وبيانه مَن هداهم الله -جل وعلا- فعلموا تأويل هذه الآية على وجهها الصحيح بإذن الله جل وعلا.

فقد ذهب طائف من العلماء، وهو الذي شرحه وبيَّنه وفصَّله أبو العباس شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إلى أن قول الله -جل وعلا-: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ معناه: أنه لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين متروكين حتى تأتيهم البينة، يعني أن الله -جل وعلا- لن يترك أهل الكتاب الذين كفروا، ولن يترك المشركين هكذا، بل لا بد أن يرسل إليهم رسولًا يبين لهم آيات الله -جل وعلا- ويدعوهم إلى الإسلام.
وهذا يوافق قول الله -جل وعلا-: أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ويماثله قول الله -جل وعلا-: أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ يعني: لما كنتم قومًا مسرفين نعرض عنكم، ولا نرسل إليكم ذكرا، هذا لا يكون؛ لأن الله -جل وعلا- خلق الخلق لحكمة، وهي عبادته.
ولا تعرف الخلق الطريق إليها إلا بالأنبياء والمرسلين كما قال الله -جل وعلا-: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ فالله -جل وعلا- خلق الخلق لعبادته.
وإذا خلقهم لعبادته فلن يتركهم جل وعلا هملًا لا يعرفون شيئًا، بل لا بد أن يرسل إليهم الرسل، ويقيم عليهم الحجة، فالله -جل وعلا- ذكر في هذه الآية أنه لن يترك المشركين، ولا الكافرين من أهل الكتاب حتى تأتيهم البينة.
وهذه البينة بيَّنها الله -جل وعلا- قال: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً أي: يتلو هذا القرآن العظيم الذي هو منزل من عند الله مطهر ولهذا لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ أي: في هذه الصحف أحكام قيمة؛ لأن قوله جل وعلا: فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ .
قال بعض العلماء: "الكتب" هنا جمع كتاب بمعنى حكم؛ لأن مادة "كتب" تأتي بمعنى حكم، كما قال الله جل وعلا: كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي وبعض العلماء يقول: إن قوله جل وعلا: فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ أي: أن هذا القرآن مشتمل على كتب سابقة من الكتب التي لم تنسخ، ولم تُحَرَّف.
فذكر الله -جل وعلا- من تلك الكتب أحكامًا وافق القرآن تلك الكتب عليها كما تقدم في قوله جل وعلا: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى فقوله جل وعلا: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى إلى آخره هذا مما ذكر في صحف إبراهيم وموسى.
وقوله جل وعلا: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ إلى آخر الآية هذا مكتوب في التوارة، وفي دين الله -جل وعلا- في هذا القرآن: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ وقال الله -جل وعلا-: أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ففي صحف موسى وإبراهيم مذكور أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، وفي كتاب الله -جل وعلا- في آيات كثيرة قال تعالى: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى .
فدل ذلك على أن قوله: فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ أي: أن هذا القرآن مشتمل على شيء من الكتب السابقة مما لم يُنْسَخ، أو يُغَيَّر، والقرآن قد وافق تلك الكتب عليها، وهذا معنى ليس ببعيد، وإن كان الأكثرون على الأول.
ثم قال جل وعلا: وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ أهل الكتاب لما جاءتهم البينة من عند الله تفرقوا، فاليهود منهم من آمن بموسى، ومنهم من كفر، والنصارى منهم من آمن بعيسى، ومنهم من كفر، ومنهم من قال: إنه هو الله، ومنهم من قال: إنه ابن الله، ومنهم من قال: إنه ثالث ثلاثة، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
ولما جاءتهم البينة، وهو نبينا -صلى الله عليه وسلم- اختلفوا فمنهم من آمن به، ومنهم من أعرض عنه، سواء من اليهود أو من النصارى، أو من المشركين فتفرقوا في هذا النبي مع وضوح البينة، ومع ذلك تفرقوا.
قال بعض العلماء: إن الله -جل وعلا- ذكر هذه الآية إعلامًا لهذه الأمة بألا تتفرق كما تفرق اليهود والنصارى، وهم الذين أوتوا الكتاب، وتفرق المشركون.
وفيها توبيخ لمن تفرق بعد أن جاءته آيات الله -جل وعلا- فدلت هذه الآية على التحذير من الفرقة والاختلاف، وأن أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- يجب أن تكون أمة واحدة كما قال الله -جل وعلا-: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ وفي الآية الأخرى وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ .
ولهذا نهانا الله -جل وعلا- عن ذلك: وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ولهذا نهانا الله -جل وعلا- عن ذلك وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ يعني: إذا حصل النزاع فشلوا، وهذا الفشل عام في أمور الدين والدنيا، وتذهب الريح، وتذهب القوة، ويتسلط الأعداء، وقال جل وعلا: وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ .
فإذا تفرق الناس بعد هدى الله الذي بعث به نبيه -صلى الله عليه وسلم- لهم عذاب عظيم، وكيف لا يكون ذلك وقد امتن الله -جل وعلا- على هذه الأمة بأن أَلَّفَ قلوب أهلها، بعد أن كانوا أعداء متناحرين: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا .
ولهذا أخبر الله -جل وعلا- أن رحمته إنما تكون لغير المختلفين، وأما المختلفون فلا تنالهم رحمة الله، قال الله -جل وعلا-: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ فمَن رحم الله لا يختلفون.
فدلت هذه الآية على أنه يجب على المسلمين أن يتفقوا ولا يفترقوا، وألا يختلفوا، وألا يفعلوا ما يوجب الفرقة، ولكن هذا الاتفاق يكون على دين الله وشرعه، وليس على الأهواء، ولا على ما لا يرضي الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.
وإنما يكون الاجتماع على كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- ولهذا كان السلف الصالح يقولون: "الاجتماع رحمة والفُرْقة والاختلاف شر ونقمة" لكنهم يريدون بهذا الاستمساك بحبل الله المتين الذي بعث به نبيه -صلى الله عليه وسلم-.
قال الله -جل وعلا-: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ أي: أن الله -جل وعلا- ما أمر عباده إلا ليعبدوا الله جل وعلا مخلصين له بمعنى أنهم يعبدونه عبادة يصرفونها له، خالية من شوائب الشرك والرياء، بل تكون مخلصة لله -جل وعلا- لا يشركون فيها مخلوقًا، ولا يلتمسون بها حظًا من حظوظ الدنيا.
وقد أمر الله -جل وعلا- بذلك كما قال: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وقال جل وعلا: قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ .
وقال تعالى: حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ يعني: أنهم يخلصون لله ويكونون حنفاء، والحنيف هو المائل عن الشرك إلى التوحيد قصدًا، ولهذا سمى الله -جل وعلا- خليله إبراهيم حنيفًا: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وقال جل وعلا لنبيه: قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فالحنيف هو المائل إلى هذا الدين عن قصد.
وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ خص الله -جل وعلا- هاتين العبادتين؛ لأنهما الركنان الثاني والثالث بعد الشهادتين؛ ولهذا كان بعض العلماء من أهل السنة والجماعة يرى أن مَن ترك الصلاة أو الزكاة فهو كافر؛ لأن الله -جل وعلا- قرنهما كثيرًا، ورتَّب جل وعلا عدم قتال الكفار على فعلهما، وجعل الأخوة مرتبطة بفعلهما: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ .
وفي الآية الأخرى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ فخَصَّ الله -جل وعلا- هاتين الآيتين بالذكر مع دخولهما في الدين؛ لأنهما من أعظم أركان الدين، قال جل وعلا: وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ أي: وذلك دين الملة القيمة المستقيمة التي تَعَبَّدَ الله -جل وعلا- خلقَه بها.
ثم قال جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ يعني: أن المشركين في نار جهنم، وقد بَيَّنَا ذلك فيما سبق، وأنهم خالدين فيها لا يخرجون منها أبدًا، وقد تقدم بيان ذلك.
وزاد الله -جل وعلا- في هذه الآية أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ البرية بمعنى الخليقة، يعني: أن الكفار هم شر الخلق، فهم أشر من البهائم والدواب؛ لأن هذه البهائم والدواب إذا كان يوم القيامة يجري بينها القصاص، لكن ليس عليها حساب، ولا عذاب، يقتص الله -جل وعلا- لكل واحدة من الأخرى، ثم يقال لها: كوني ترابًا، فتكون ترابًا؛ لأن الله -جل وعلا- لم يخلق فيها عقولًا لتدرك شرعه وحكمه.
وأما بنو آدم فخلق الله -جل وعلا- لهم عقولًا؛ ليدركوا بها هذا الشرع، وما بعثت به الأنبياء والمرسلون، فوقع الحساب عليهم جزاء على أعمالهم وعدلًا منه جل وعلا؛ ولهذا كان بنو آدم هم الذين كلفهم الله -جل وعلا- بأن يحملوا تكاليف الشرع: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا فلما حملها فإنه يحاسب عليها يوم القيامة.
وأما تلك البهائم فليس لها عقول؛ فلهذا لم تحمل هذا الشرع؛ ولهذا وصف الله -جل وعلا- هؤلاء الكفار بأنهم شر من الدواب: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ وقال جل وعلا: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ فلهذا يكونون هم شر الخليقة.
ثم قال جل وعلا: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ قد صدق لنا أن الله -جل وعلا- دائمًا في كتابه الكريم يقرن ببن الجزاءين ويبين حال الفريقين، وهنا لما ذكر الله -جل وعلا- حال الكفار والمشركين، وما أعده لهم ذكر جل وعلا بعد ذلك حال عباده المؤمنين في الآخرة: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ .
والبرية عند أكثر العلماء معناها الخليقة، وبعض العلماء يقول: إن البرية تحتمل أن تكون من البراء، وهو التراب، ويكون على ذلك أولئك هم خير من خلق من تراب، والمخلوق من التراب إما مؤمن وإما كافر، لكن أكثر أهل العلم على أن قوله جل وعلا: أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ أي: أولئك هم خير الخليقة.
ومن هذه الآية استنبط بعض العلماء أن صالح البشر أفضل من الملائكة؛ لأن الله -جل وعلا- قال: أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ يعني: خير الخليقة فدل على أن صالح البشر أفضل من الملائكة، وهذه المسألة قد تكلم فيها العلماء كثيرًا: فمنهم من يرى أن الملائكة أفضل، ومنهم من يرى أن صالح البشر أفضل، مع اتفاق العلماء على أن نبينا -صلى الله عليه وسلم- هو أفضل الخلق: من البشر، والملائكة، والجن وغيرهم.
قال الله -جل وعلا-: أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ يعني: أن هؤلاء يكونون في جنة عدن، وجنة عدن هي جنة الإقامة؛ لأن كلمة عدن معناها مقيم، فهم في دار الإقامة، لا يخرجون عنها أبدًا.
كما قال الله -جل وعلا- عنهم إذا دخلوا الجنة: إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ وقال الله -جل وعلا- في الآية الأخرى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا .
وقال جل وعلا: لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا يعني: لا يبغون عنها منقلبًا، ولا تحولا، وقوله: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا تأكيد للإقامة في جنات عدن، وأنهم لا يخرجون منها أبدًا.
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أي: أن الله -جل وعلا- قد رضي عنهم، وهم قد رضوا عن الله -جل وعلا- لأن الله -جل وعلا- أعطاهم ما وعدهم؛ ولأن الله -جل وعلا- هداهم، ووفقهم للطاعة، ويوم القيامة يرضون ويرضيهم الله جل وعلا. وقد قدمنا أن الله -جل وعلا- لا يرضى إلا عن القوم المؤمنين، وإذا رضي عنهم ربهم -جل وعلا- فإنه جل وعلا يكرمهم وينعمهم.
ثم قال جل وعلا: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ أي أن هذا الأجر لمن خشي الله -جل وعلا- ووجل قلبه من ربه، خشي الله -جل وعلا- خشية في قلبه، ظهرت آثارها على جوارحه، فعمل بطاعة الله -جل وعلا- والعبد إذا خشي ربه -جل وعلا- بلقبه ظهر آثار ذلك على جوارحه، كما قال تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ .

رد باقتباس
  #6  
قديم 10-15-2009, 08:10 AM
+
ahmed zoma ahmed zoma غير متصل
مشرف اقسام الاغانى و الافلام



 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الإقامة: Assuit
المشاركات: 21,196
افتراضي رد: تفسير القران الكريم كاملا ( ارجوا التثبيت)

سورة القدر

بسم الله الرحمن الرحيم : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ .

هذه سورة القدر، قال الله -جل وعلا- فيها إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ يعني: أنزلنا هذا القرآن، وإن لم يتقدم له ذكر، ولكن لكونه معلومًا منزل من عند الله -جل وعلا- أعاد الله -جل وعلا- عليه الضمير مع أنه لم يكن له سابق ذكر.

وهذا من باب الاختصار بلغة العرب، والقرآن لسان عربي مبين، وأخبر جل وعلا أنه أنزل هذا القرآن في ليلة القدر، وليلة القدر هي ليلة يقدِّر الله -جل وعلا- فيها مقادير الخلائق مما يكون في العام؛ لأن التقادير أنواع، فمنها تقدير قدَّرَه الله -جل وعلا- قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
كما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم قدَّر الله -جل وعلا- على العبد التقدير العمري؛ وذلك أنه إذا كان في بطن أمه، وتم له مائة وعشرون يومًا بعث الله -جل وعلا- الملك، فنفخ فيه الروح، ثم كتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد، وهذا التقدير العمري لكل إنسان.
ثم بعد ذلك يأتي التقدير الحولي، وهو الذي ينزله الله -جل وعلا- في ليلة القدر، ثم بعد ذلك يأتي التقدير اليومي، وهو ما يحدثه الله -جل وعلا- في اليوم، كما قال جل وعلا: يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ .
والمراد بالقدر هنا في لَيْلَةِ الْقَدْرِ المراد به التقدير السنوي؛ وذلك أن الله -جل وعلا- إذا كان في هذه الليلة فصل من اللوح المحفوظ الذي كتبه قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فصل ما فيه إلى صحف الملائكة، فنزلت به إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم ينزل بعد ذلك بحسب ما قدَّره الله -جل وعلا- في العام.
وهذه الليلة ليلة القدر بيَّن الله -جل وعلا- في آية أخرى أنها يقدَّر فيها ما يكون كما قال جل وعلا: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا وهذه الليلة هي ليلة في رمضان لا شك في ذلك، كما قال الله -جل وعلا-: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ .
فالقرآن منزل في ليلة القدر، وهذه الليلة في رمضان، كما دلت عليه آية البقرة، نزل القرآن في رمضان، ونزل في ليلة القدر، فهذا دليل على أن ليلة القدر في رمضان، وبيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- بالسنة الصحيحة الثابتة المستفيضة أنها في العشر الأواخر من رمضان.
فجمع الله -جل وعلا- لهذا الكتاب العظيم ليلة عظيمة شريفة، وشهرًا عظيمًا كريمًا عند الله -جل وعلا- وإنما كان كذلك لشرف هذا القرآن؛ لأنه كلام الله -جل وعلا- الذي هو أحسن الكلام وأصدقه وخيره وأفضله، قال جل وعلا: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ يعني: أن العبادة في ليلة القدر أفضل من عبادة ألف شهر ليس فيها ليلة القدر.
تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ يعني: أن الملائكة في تلك الليلة ينزلون من عند الله -جل وعلا- بما قدَّره سبحانه وتعالى: سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ أي: أن هذه الليلة ليلة تكثر فيها السلامة من الآفات والشرور؛ لأن الملائكة يتنزلون بكل سلام من عند الله جل وعلا.
وهذا أمر قد يحسه بعض الناس، وقد لا يحسه آخرون، والعبد إذا تنزلت الملائكة بالسلام الذي يكون في تلك الليلة، قد تتنزل بمغفرة الذنوب، والنجاة من النار، ورفعة الدرجات، وكثرة الحسنات، وهذا كما قال -صلى الله عليه وسلم-: من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه وهذا من أعظم السلامة، أو من أكثر السلامة التي تتنزل في هذه الليلة.













سورة العلق
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ

بسم الله، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، وعلى آله، ومن اهتدى بهداه، أما بعد، فيسأل بعض الإخوة عن قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: من قرأ: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وقرأ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ


فليقل: بلى وإني على ذلك من الشاهدين .
وهذا حديث لا يصح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما صحح العلماء، وبعض أهل العلم صحح الحديث الوارد في سورة القيامة أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى سبحانك فبلى هذا حديث صححه بعض العلماء.

أما الحديث الوارد في سورة التين، فهذا حديث ضعيف لا يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كما نص على ذلك كثير من العلماء.
وهذه السورة، سورة القلم سورة افتتح الله -جل وعلا- بصدرها الوحي على نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- وذلك أن الله -جل وعلا- لما أراد أن يوحي إلى نبيه -صلى الله عليه وسلم- بعث جبريل -عليه السلام- إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يتعبد في غار حراء، فلما جاءه الملك، قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ … .
وهذا نفي للقراءة؛ لأن اقتران قوله: "بقارئ" بالباء يدل على أن ما نافية: قال: ما أنا بقارئ، فأخذه الملك فغطه حتى بلغ من النبي -صلى الله عليه وسلم- الجهد، ثم أرسله، فقال له: اقرأ. قال: ما أنا بقارئ فصنع به مثل ذلك ثم أرسله، فقال له: اقرأ قال: ما أنا بقارئ، فغطه المرة الثالثة حتى بلغ منه -صلى الله عليه وسلم- الجهد ثم أرسله، فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ .
ولهذا ذهب جماهير العلماء إلى أن هذه السورة هي التي نبئ بها النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي أول ما أوحي إليه -عليه الصلاة والسلام-. وأما سورة المدثر، أو أوائل المدثر، فإنه يتبع ذلك كما فصله حديث جابر في صحيح البخاري.
قوله جل وعلا: اقْرَأْ هذا أمر من الله -جل وعلا- لنبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يقرأ، وقد يقول: قائل كيف يأمر جبريل النبي -صلى الله عليه وسلم- بالقراءة، والنبي -عليه الصلاة والسلام- أمي هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ فكيف يقال له: اقرأ؟
قال العلماء: إن المقروء إما أن يكون مقروء عن كتابة، وإما أن يكون مقروء عن تلاوة، فإذا لقَّنَه جبريل، وقرأ يسمى قارئا، وإذا قرأ من كتاب، فإنه يسمى قارئا، والمنفي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يكون قارئًا من كتاب أو كاتبًا في كتاب.
أما كونه -صلى الله عليه وسلم- يقرأ من تعليم جبريل له -عليه الصلاة والسلام- فإن هذا لا مانع منه، بل ذكره الله -جل وعلا- في كتابه: سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى يعني: نجعلك قارئًا.
وقوله جل وعلا: بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ أي: مستعينًا باسم ربك الذي خلق، وإنما جعلت الباء هاهنا للاستعانة؛ لأن الاستعانة من معاني الربوبية. والله -جل وعلا- قال: بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ وهنا حذف -جل وعلا- المفعول، ما قال: خلق الناس، أو خلق الخلق، حذف المفعول؛ ليعم من سوى الله -جل وعلا- فكل من سوى الله فهو مخلوق يعني الذي خلق الخلق أجمعين.
ثم قال جل وعلا: خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ لما عمم جل وعلا أنه خلق الخلق كلهم خصَّص بخلق الإنسان، وهذا التخصيص التمس العلماء حكمته فظهر لهم أنه خصص الإنسان لشرفه وكرامته، كما قال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ثم إنه خصه بالذكر هاهنا؛ لأن المنبأ، وهو النبي -صلى الله عليه وسلم- من جنس الإنسان، ليس من الأجناس الأخرى، ليس من الملائكة، وليس من غيرهم، وإنما هو من الإنسان، فلما كان المنبأ، وهو النبي -صلى الله عليه وسلم- من الإنسان ذكر الله -جل وعلا- خلق الإنسان خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ والعلق هو الدم الجامد كما تقدم.
اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ هذا أمر للنبي -صلى الله عليه وسلم- بالقراءة تأكيدًا على الأمر الأول، وفي الأمر الأول أمَرَهُ أن يقرأ مستعينًا بالله، وفي هذا الأمر، الأمر الثاني، قال: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ولفظ "الأكرم" كما تقدم لنا يدل على خير وسعة، فالله -جل وعلا- خيره كثير، واسع العطاء.
فلما قال -صلى الله عليه وسلم-: ما أنا بقارئ قال الله -جل وعلا-: اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ لأن الله -جل وعلا- هو الذي يفتح على خلقه، ويوسع لهم بالخير، ومن ذلك أن يتعلم النبي -صلى الله عليه وسلم- القراءة من جبريل، وأن يتعلم هذا المقروء، وهو القرآن، وهو الذي فيه خير للنبي -صلى الله عليه وسلم- وخير لأمته.
ثم قال جل وعلا: الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ وهذه صفة للرحمن فهو الذي علم بالقلم، يعني: علم الناس الخط بالقلم، فهو -جل وعلا- قد امتن عليهم بتعليمهم الكتابة بالقلم، كما مَنَّ جل وعلا عليهم أن علمهم النطق باللفظ، فهناك بيان النطق، وبيان الخط، أو بيان اللفظ، وبيان الرسم، وكلاهما امتن الله -جل وعلا- بهما على هذه الأمة.
فامتن جل وعلا هذه الأمةَ على الناس بالبيان الخطي أو الرسمي بهذه الآية، امتن عليهم بالبيان النطقي، في قوله جل وعلا: الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ فهو جل وعلا علم الخلق النطق، وعلمهم الكتابة.
وذكر الله -جل وعلا- هاهنا القلم؛ لأن الله -جل وعلا- لو لم يعلم الخلقَ الكتابة بهذا القلم؛ لحصل عندهم خلط كثير؛ لأن الإنسان ينسى، ولكن جعل في هذا القلم ما تضبط به وصايا الناس، وتضبط به شهاداتهم، وتضبط به حساباتهم، وتضبط به كثير من أمورهم التي لولا الله -جل وعلا- خلق هذا القلم لحصل عندهم فيها خلط عظيم، وعاد عليهم ذلك بالضرر؛ لأن الإنسان لو كان القلم غير موجود، وكانت هناك شركة، وعندها حسابات، ماذا يصنع؟ لا يعتمد على الحفظ؛ لأن الحفظ خوان، ولكن الله -جل وعلا- خلق هذا القلم وفيه منافع عظيمة للعباد.
ثم قال جل وعلا: عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ في الأول قال: عَلَّمَ بِالْقَلَمِ وما ذكر ما هو المُعَلَّم؛ ولهذا قال بعض العلماء في الآية الأولى: حذف الله المُعَلَّم ليشمل تعليمه جل وعلا للبشر، وللملائكة ولغيرهم الذين علموا بالقلم، ثم بعد ذلك خص الله -جل وعلا- الإنسان: عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ مَا لَمْ يَعْلَمْ سواء مما يتعلق في أمر معاشه، أو في أمر معاده.
وهذه الآية كما قال الله -جل وعلا-: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا فأخرج العبد من بطن أمه لا يعلم شيئًا فعلَّمه جل وعلا، وفتح عليه من العلم ما لم يكن يدركه لولا فضل الله -جل وعلا- وتعليمه له.
ثم قال جل وعلا: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أي: إن الإنسان ليطغى، والطغيان هو مجاوزة الحد: أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى يعني: إذا حصل له غنى، فإنه يطغى ويتجاوز ما حُدَّ له، وهذا في طبع الإنسان؛ ولهذا قال الله -جل وعلا-: فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ .
وقال جل وعلا: وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ وقال جل وعلا عن فرعون: قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ يعني: موسى عليه السلام وَلَا يَكَادُ يُبِينُ .
يعني: لا يستطيع الإبانة في الكلام؛ لأن موسى كان ألثغ، كما ذكر الله -جل وعلا- نطقه: وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وقبل ذلك: رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي فكان موسى في لسانه عقدة؛ ولهذا قال فرعون: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ يعني: ذليل وَلَا يَكَادُ يُبِينُ يعني: لا يكاد يفصح بالكلام، وهذا طغيان من فرعون.
وقارون قال: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي وهذا كله يدل على أن الإنسان إذا أُعطِي، وأُكثِر له العطاء طغى، ولكن يستثنى من ذلك المؤمنون؛ لأن المؤمن إذا أعطي شكر كما قال الله -جل وعلا- عن نبيه سليمان: هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ .
وقال جل وعلا في شأن الإنسان المسلم صاحب الجنة: الذي يكون من أهل الجنة: حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ فهذه حال المؤمن.
وأما حال الكافر فإنه يطغى، ولهذا المفسرون عندما فسروا قوله -جل وعلا-: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى قالوا: هو الإنسان الكافر، ثم قال جل وعلا: إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى يعني: مهما طغى الإنسان فإن المرجع والمآب إلى الله -جل وعلا- وسيحاسبه على ذلك.
ثم قال جل وعلا: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى يعني أرأيت الإنسان الكافر إذا نهى عبدًا مسلمًا عن الصلاة، وقوله: أَرَأَيْتَ يعني: أخبرني، فهذا استفهام لا يحتاج إلى جواب؛ لأن من نهى مسلمًا عن الصلاة عذَّبه الله جل وعلا.
والمراد بهذا عند جمهور المفسرين هو أبو جهل؛ لأنه كان يتهدد النبي -صلى الله عليه وسلم- ويقول: "لئن رأيت محمدًا يعفر وجهه بالتراب يعني: في الصلاة عند البيت لأطأن على عنقه".
ثم قال جل وعلا: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى أي: أرأيت إن كان ذلك العبد، وهو النبي -صلى الله عليه وسلم- أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى يعني: أخبرني إن كان هذا الذي تنهاه عن الصلاة على الهدى، يعني: طريقه هو الهدى، أو كان يأمر بالتقوى.
ثم قال جل وعلا: أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى يعني: أرأيت هذا الكافر إن كذب بآيات الله وتولى وأعرض عنها أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى يعني: هذا الكافر ألا يعلم أن الله -جل وعلا- مُطلع عليه، وهو يتهدد هذا النبي -صلى الله عليه وسلم- وأنه سيطأ عنقه إن سجد لله -جل وعلا- وصلى.
وكذلك الله -جل وعلا- يراه حين تولى، وحين أعرض وأدبر حين تليت عليه آيات الله -جل وعلا- وهذا كما قال الله -جل وعلا-: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ثم قال الله -جل وعلا-: كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ يعني: أن هذا الكافر إن لم ينته عن تهديده وينته عن إعراضه فإن الله -جل وعلا- سيأخذه بناصيته.
والناصية هو الشعر الذي يكون في مقدمة الشعر يعني: أن هذا الكافر سَيُجَرُّ ويُجْذَب من مقدم رأسه، ويلقى في النار، كما قال الله -جل وعلا-: فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ يعني: تجمع أقدامهم إلى نواصيهم، ثم يلقون في النار، ثم قال جل وعلا: نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ وصف الله -جل وعلا- هذه الناصية التي يأخذها الله -جل وعلا- ويعذبها بأنها كاذبة.
والناصية هي جزء من الإنسان، وهي مقدم رأسه، ولكن المراد الإنسان الكافر، فهذا من باب إطلاق البعض وإرادة الكل، كما قال الله -جل وعلا-: إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ فالكاذبون هم الكفار، والله -جل وعلا- عبر بالناصية من باب إطلاق البعض على الكل.
ووصف الله -جل وعلا- هذه الناصية بأنها كاذبة ثم قال: كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ عندنا خطيئة وخطأ، وبينهما فرق، فالخطيئة هي الإثم، وهذه الناصية أو هذا الكافر خاطئ، يعني: أنه مذنب وآثم بعد علمه؛ لأنه تليت عليه آيات الله عز وجل ودُعِي إلى الإسلام، ورأى آيات الله -جل وعلا- ولكنه أصر واستكبر على كفره فلذلك كان خاطئًا، كما قال الله -جل وعلا- عن قوم نوح: مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا .
وقال جل وعلا: وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ فالخطيئة المراد بها الإثم، وأما الخطأ فقد يقع بغير عمد؛ ولهذا رفع الله -جل وعلا- الخطأ وما رفع الخطيئة: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ .
فالخطأ مرفوع لا يُعَاقَب صاحبه. وأما الخطيئة فصاحبها مُعَاقَب لكن إذا أخطأ الإنسان في دين الله، فعلم خطأه، فأصر عليه صار فعله حينئذ خطيئة؛ لأن الخطأ قد ينقلب خطيئة بالإصرار عليه، ولهذا لا يكون هناك تعارض كما يتوهمه بعض الناس بين قوله جل وعلا: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وبين هذه الآية؛ لأن هذه في الآثم المتعمد، أما تلك فمن وقع منه فعل على غير عمد منه.
ثم قال جل وعلا: فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ يعني: يدعو أهل مجلسه الذين كانوا يجالسونه في الدنيا؛ لأن الكفار كانت لهم نواد يجلسون فيها ويجتمعون ويصنعون فيها القمار والميسر، ويشربون فيها الخمور، هذه كانت نوادي لهم، يقول الله -جل وعلا- له يوم القيامة: فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ إذا جاء يوم القيامة فليدع أصحابه هؤلاء؛ ليدفعوا عنه من عذاب الله شيئًا.
وقد أخبر الله -جل وعلا- عن الكفار يوم القيامة إذا أوقعوا في النار أنهم يقولون: فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ وقال جل وعلا عنهم يوم القيامة: فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ يعني: ليس له صديق يدفع عنه من عذاب الله شيئًا.
قال الله -عز وجل- سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ والزبانية جمع زابن، وهم الملائكة الغلاظ الشداد الذين أعدهم الله -جل وعلا- لتعذيب من يستحق العذاب في النار، ثم قال جل وعلا: كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ أي: لا تطع هذا الكافر فيما يقول، ولا تلتفت إليه، ولكن اسجد لله -جل وعلا- وتقرب إلى ربك -جل وعلا- بأنواع العبادات، ومن أعظمها السجود؛ ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم-: أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد .























سورة التين


بسم الله الرحمن الرحيم وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ

هذا قَسَم من الله -جل وعلا- بالتين وهو الفاكهة المعروفة، وبالزيتون وهو الذي يستخرج منه الزيت وهو أيضا معروف، وهذا هو الأظهر من كلام العلماء -رحمهم الله جل وعلا- لأن الله -جل وعلا- خاطبنا باللسان العربي المبين.

والزيتون ورد ذكره في القرآن كثيرا، ويراد به هذه الشجرة المعروفة شجرة الزيتون، وأما التين فلم يرد إلا هاهنا، كونهما مقترنين هذا يدل على أن المراد بهما شجر التين أو التين المعروف، والزيتون المعروف، وهذا قسم من الله -جل وعلا- بخلقه، والله -جل وعلا- يقسم بمن شاء وبما شاء.
قوله -جل وعلا-: وَطُورِ سِينِينَ هذا هو طور سيناء الذي كلم الله -جل وعلا- عليه كليمه موسى -عليه السلام-، كما قال الله -جل وعلا-: وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ قال -جل وعلا- في شأن كلام موسى: وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا وهذا الطور في سيناء.
ثم قال -جل وعلا-: وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ وهو البلد الحرام مكة، قد سماه الله -جل وعلا- أمينا؛ لأن الناس يأمنون فيه، ولهذا كانوا يأمنون فيه في الجاهلية وفي الإسلام، قد بينه الله -جل وعلا- في القرآن كثيرا، كما في قوله -جل وعلا-: وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وفي قوله -جل وعلا-: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا وفي قوله -جل وعلا-: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ وفي قوله -جل وعلا-: فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ .
وهذا البيت -وهو البيت الحرام- وصفه الله -جل وعلا- بأنه بيت أمين، وهذا من خصائص هذا البيت، ولهذا لما كان هذا البيت أمينا كانت أفئدة الناس تهوي إليه ببركة دعاء إبراهيم عليه السلام: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ .
وما قال إبراهيم -عليه السلام-: "واجعل الناس يهوون إليهم" ولكن قال: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ ؛ لأن القلوب إذا تعلقت بشيء توجهت إليها الأبدان، وأما إذا كان التعلق بغير القلب فقد لا يطاوع البدن بالذهاب إليه.
وهذا البيت جعل الله -جل وعلا- له من الخصائص شيئا عظيما، قد يشركه فيه غيره، وقد لا يشركه فيه غيره، ومن ذلك أن هذا البيت هو أحب البقاع إلى الله وخيرها وأفضلها، كما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: والله إنك لخير أرض الله، وإنك لأحب أرض إلى الله، ولولا أنهم أخرجوني منك ما خرجت .
وهذا البيت لِعِظَمِه جعل الله -جل وعلا- فيه شعائر من الطاعات ليست في غيره، فجعله -جل وعلا- قبلة المسلمين، وجعل الكعبة مكانا يطَّوف عليه المسلمون، فليس هناك مكان يجوز أن يطوف به إلا هذا البيت العظيم وهو الكعبة، فلا يحل لمسلم أن يطوف بقبر، ولا بحجرة، ولا بأي شيء إلا بهذا البيت.
وجعل الله -جل وعلا- الصلاة فيه بمائة ألف صلاة، وأوجب على العباد حجه واعتماره في العمر مرة واحدة، فما زاد فهو تطوع، وحرم الله جل وعلا -لِأَمنه- أن يدخله الدجال في آخر الزمان، فالدجال يطوف الدنيا إلا الكعبة والمدينة، فإنه لا يدخلهما، على أنقابهما -وهي المداخل- ملائكة، كلما أراد الدخول ضربوه، معهم السيوف المصلتة.
ولهذا أيضا في آخر الزمان إذا خرج جيش يريد البيت، فإن الله -جل وعلا- يخسف بهذا الجيش إذا كانوا ببيداء من الأرض، وذلك لحرمة هذا البيت وعظمته.
وكذلك من خصائص هذا البيت: أن الإنسان لا يريد فيه سيئة إلا عاقبه الله عليها، في غيره من البلاد إذا هم بسيئة فلم يفعلها كتبها الله -جل وعلا- حسنة، وأما في البيت الحرام إذا هم بسيئة وأرادها، فإن الله -جل وعلا- يعاقبه، كما قال تعالى: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ .
ولهذا كان شأن المعاصي فيه عظيما، فإذا كان الإنسان يستمع الغناء خارج الحرم، والمراد بالحرم ليس الكعبة، وليس المحاط بالجدران الآن، وإنما المراد به الحرم كله، المعلم عليه بالنُّصب، وهو كبير، يدخل فيه منى ومزدلفة وغيرها، فحدوده كبيرة، فهذا من أوقع فيه سيئة، من هَمَّ فيه بسيئة عاقبه الله، فكيف بمن أوقع فيه سيئة؟ فالجرم يعظم إذا عظم الزمان أو عظم المكان، ولهذا لما عظم البيت الحرام عظم جرم هذه السيئة.
ولهذا يقول ابن مسعود -رضي الله عنه-: "لو أن رجلا بِعَدَن أبين هم بسيئة لعاجله الله بالعقوبة". هَمَّ بسيئة في البيت لعاجله، أو لأراد بالبيت سوءا لأخذه الله، ولهذا كان عبد الله بن عمرو -رضي الله عنه- له فسطاطان -أي خيمتان- إحداهما داخل الحرم، والأخرى خارج الحرم، إذا أراد أن يصلي دخل الحرم، وإذا قضى صلاته خرج خارج الحرم -وعبد الله بن عمرو أفقه منا وأعلم منا- لئلا يقع منه شيء فيعاقبه الله -جل وعلا-.
ولهذا كان هذا البيت حتى معظما في الجاهلية، يقول عبد الله بن الزبير -رضي الله عنه-: " إن كانت الأمة من بني إسرائيل لتأتي البيت، فإذا كانت بذي طوى خلعت نعالها تعظيما للبيت". وذو طوى هو مكان كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا قدم مكة بات به، فإذا أصبح اغتسل ودخل، فهو على حدود مكة.
ومن تعظيم الله -جل وعلا- لهذا البيت أن حرمه -جل وعلا-، أن حرمه على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- يوم فتح مكة، وحرم في ذلك اليوم سفك الدماء، فلا يُسفك دم في مكة، ولا يُقطع الشجر في مكة، ولا يعضد الشوك -يعني يقطع الشوك-، ولا تنفر الطيور أو الصيد عن مكانه.
ولا تحل لقطته إلا لمنشد، فإذا وجد فيه الإنسان شيئا لا يجوز له أن يأخذه عن سبيل التعريف، ولو بقي عنده دهورا عديدة، أما في خارج مكة فإنه إذا وجد لقطة وجب عليه أن يعرفها سنة، ثم بعد ذلك يمتلكها، وأما في مكة فإذا وجد شيئا وجب أن يعرفه حتى يجد صاحبه، أو يظل في تعريفه أبدا.
وهذا من خصائص البيت الحرام، فهذا البيت جعله الله -جل وعلا- بلدا آمنا، وأقسم الله -جل وعلا- في هذه الآية به، وبالتين والزيتون، وطور سنين.
وقد جاء حديث، أو روي حديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ننبه عليه لئلا يقع فيه بعض الناس، وهو حديث لم يذكره أهل التفسير، وإنما ذكره الحافظ ابن رجب في كتابه "فضائل الشام " هذا الحديث هو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مكة البلدة أو البلد، والمدينة النخلة، وبيت المقدس التين، ودمشق الزيتون". وهذا حديث لا يصح، بل مكذوب على النبي -صلى الله عليه وسلم- وإنما نبهنا عليه لئلا يتوهمه بعض الناس صحيحا.
فالله -جل وعلا- أقسم بهذه الأشياء على قوله -جل وعلا-: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ وهذا الخلق من الله -جل وعلا- في أحسن تقويم تقدم بيانه.
ثم قال -جل وعلا-: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ يعني: أن الله -جل وعلا- بعد أن خلق الإنسان في أحسن تقويم يرده إلى النار، وهي أسفل سافلين، كما تقدم عند قول الله -جل وعلا-: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ .
جاء في الحديث الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: اكتبوا كتاب عبدي في سجين في الأرض السفلى فأسفل سافلين هي النار، فهذا الإنسان إذا خلقه الله، وأحسن الله -جل وعلا- خلقه رده -جل وعلا- إلى النار، إلا الذين استثناهم الله -جل وعلا- بقوله: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فهؤلاء لا يردون إلى أسفل سافلين، وإنما يردهم الله -جل وعلا- إلى جنات النعيم.
وقد فسر بعض العلماء قوله -جل وعلا-: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ أن الله -جل وعلا- يرد الكافر إلى أرذل العمر، ولكن هذا تأويل ضعيف، تأويل ضعيف، والراجح ما تقدم ذكره؛ لأن الله -جل وعلا- جاء بما يماثل هذه الآية في كتابه الكريم كما قال تعالى: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ .
فدل على أن الرد إلى أسفل سافلين هو الرد إلى العذاب الأليم الذي هو جهنم، ثم إن تفسير أَسْفَلَ سَافِلِينَ بأنه الرد إلى أرذل العمر هذا لا يُعرف لا في لغة العرب، ولا في عرف الشرع، لم يأت في آية أن المراد -أو في حديث- أن المراد بأسفل سافلين هي الرد إلى أرذل العمر.
ثم إن التفسير بأرذل العمر هذا يترتب عليه مخالفة الحس والواقع؛ لأن هناك كثيرا من الكفار يموتون قبل أن يُردوا إلى أرذل العمر، وهناك بعض المسلمين لا يموتون إلا وقد ردوا إلى أرذل العمر، فدل ذلك على أن الرأي الأظهر في هذه الآية هو أن قوله -جل وعلا-: ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ أن المراد أن الله -جل وعلا- يردهم إلى النار، إلا من استثنى الله -جل وعلا-، وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
والله -جل وعلا- قدم هؤلاء، واستثنى أهل الإيمان لقلة أهل الإيمان في أهل الكفر، كما أخبر الله -جل وعلا: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ وقال -جل وعلا-: وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وقال -جل وعلا-: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ .
فدل ذلك على أن الله -جل وعلا- بدأ بهؤلاء الكفار، وبين مصيرهم؛ لأنهم هم الكثرة، ثم استثنى الله -جل وعلا- إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ والأجر غير الممنون هو الذي لا ينقطع أبدا، وقد تقدم بيان ذلك.
وقول الله -جل وعلا-: فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ هذا الخطاب اختاره ابن جرير -رحمه الله- وجمهور علماء اللغة، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، إلى أن قوله -جل وعلا-: فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أن المخاطب بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن أصل الخطاب للنبي -صلى الله عليه وسلم-، والإنسان لم يخاطب في هذه الآية؛ لأن أول الآية أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وهذا خطاب للنبي -صلى الله عليه وسلم-، ولم يخاطب الله -جل وعلا- الإنسان في هذه الآية.
فدل قوله -جل وعلا-: فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ على أن المخاطب بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم-، والمعنى في هذه الآية أي: فمن يكذبك بعد بيوم الجزاء والحساب، فهنا "ما" بمعنى "مَن" والله -جل وعلا- عبر بـ "ما" هاهنا؛ لأنه أراد الأوصاف، ولم يرد الأعيان، وإلا الأصل في التعبير للعاقل أن يكون بـ "مَن" لكن إذا أريد الوصف فإنه يعبر بـ "ما".
والله -جل وعلا- لم يرد أشخاصا بعينهم -أو بأعينهم-، وإنما أراد المتلبسين، وهم الظلمة والجهلة، أي: فمن يكذبك بعد هذا البيان والإيضاح من خلق الإنسان الذي يُستدل به على ربوبية الله وألوهيته، وعلى قدرته -جل وعلا- على البعث؟ ومن يكذبك بعد ذلك بعدما سمع من مصير المؤمنين ومصير الكافرين؟
وهذا الاستفهام إما أن يكون للتعجب، كما في قوله -جل وعلا-: وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أو يكون هذا الاستفهام يراد به تحقيرهم، وبيان أنهم ليسوا على شيء، كما يقول الإنسان أحيانا: من قال هذا؟ لا يريد الاستفهام، وإنما يريد تحقير القائل، يريد أن يحقر القائل، فهذا فيه إما تعجب، وإما تحقير لقائليه.
ثم قال -جل وعلا-: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ يعني أنه -جل وعلا- أعدل من يحكم ومن يقضي، فلا أحد أعدل من الله -جل وعلا-، والدليل على ذلك أن الله -جل وعلا- قسم الناس يوم القيامة إلى فريقين بأعمالهم، فما أدخل طائعا النار، ولا أدخل عاصيا الجنة، يعني ما أدخل المؤمن النار، وما أدخل الكافر الجنة، ولكنه -جل وعلا- يقضي بينهم بحكمه يوم القيامة، ويفصل بينهم بحسب أعمالهم.
بل فضله -جل وعلا- واسع، فهو -جل وعلا- قد يغفر لمن آمن به ومات عاصيا لأول وهلة، وقد يعذبه بسيئاته ثم يخرجه، وهذا من عدله -جل وعلا-، فعدله -جل وعلا- شامل لنوع العذاب، وشامل لسبب العذاب، أما الحاكم من الخلق فقد يعذِّب عذابا أكبر من الإجرام.
لذلك من تمام حكمه كما قال تعالى: لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ إلى غيرها من الآيات التي تبين هذا المعنى.
وإنما قلنا: إن المراد أحكم الحاكمين أي: أنه جل وعلا أعدل من يحكم ويقضي؛ لأن الله -جل وعلا- قبل ذلك ذكر حكمه على الكافرين وعلى المؤمنين، فصيَّر الكافرين إلى أسفل سافلين، وصَيَّر المؤمنين إلى أجر لا ينقطع أبدًا، فناسب أن يكون بعد ذلك هو أحكم الحاكمين -جل وعلا - والله -تعالى- أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.












سورة الشرح

بسم الله الرحمن الرحيم أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ .

هذه السورة يبين الله -جل وعلا- فيها لنبيه -صلى الله عليه وسلم- بعض نعمه عليه، فيقول -جل وعلا-: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وهذا استفهام تقريري؛ لأن الهمزة إذا دخلت على النفي كان استفهاما تقريريا، ومعنى ذلك: قد شرحنا لك صدرك، فالله -جل وعلا- قد شرح صدر نبيه -صلى الله عليه وسلم- بالإيمان والعلم والحكمة.

وقد شُق صدر نبينا -صلى الله عليه وسلم- حسا مرتين، شُق صدره -صلى الله عليه وسلم- لما كان مسترضعا في بني سعد، جاءه ملكان فشقا صدره، وملآه نورا وحكمة، ثم شُق صدره -صلى الله عليه وسلم- ليلة المعراج، وذلك شق حقيقي.
وقوله -جل وعلا-: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ يعني أنه -جل وعلا- شرح نبيه -صلى الله عليه وسلم- للإيمان والعلم والحكمة والهدى، ومن ذلك الشق الحسي الذي كان به قلبه -صلى الله عليه وسلم- مملوءا حكمة وعلما ونورا، وهذه منة على نبينا -صلى الله عليه وسلم-، كما امتن الله -جل وعلا- بذلك على عموم الخلق، قال الله -جل وعلا-: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ .
وهذا الشرح -شرح الصدر للإسلام- دليل على أنه الله -جل وعلا- يُريد بعبده خيرا، كما قال تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ .
ومن انشراح صدره -صلى الله عليه وسلم- أن شرحه ربه -جل وعلا- للدعوة وتحمل حال الخلق؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- في دعوته تحمل مشاق عظيمة، ولولا أن الله -جل وعلا- شرح صدره للإسلام، وشرح صدره لمثل هذه الأشياء لم يقم بأعباء هذه الرسالة.
ولهذا نبي الله موسى لما أمره ربه -جل وعلا- أن يبلغ إلى فرعون قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ؛ لأن شرح الصدر في مثل هذه الأمور يؤتي ثمارا عظيمة كثيرة، فلهذا كان من شرح الله لصدر نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن شرحه لمثل هذه الأشياء، فكان -صلى الله عليه وسلم- يُعتدى عليه، ويؤذى، وتُكاد له المكائد، وتُحبل له الحبائل -صلى الله عليه وسلم-، فيقابل ذلك بالإحسان كما أمره ربه -جل وعلا-: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ .
ثم قال -جل وعلا-: وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ يعني: حططنا عنك الذنب الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ يعني: أثقل ظهرك، وهذه الآية استدل بها بعض العلماء -أو أكثر العلماء- على أن الأنبياء قد يقع منهم شيء من المعاصي، ولكن المعاصي التي تقع من الأنبياء: أولا: ليست متعلقة بالبلاغ، وثانيا: ليست في الأمور التي يقتدي الناس بهم فيها، ولو حصل شيء من ذلك لنبهوا عليه، ثم إنها ليست من كبائر الذنوب، كما أنها ليست من أفعال الخسة كالزنا أو السرقة أو غيرها مما هو يعتبره الناس من أفعال الخسة.
فهذا قد يقع من الأنبياء، ولكنهم يتوبون إلى الله -جل وعلا-، ويبادرون بالتوبة، وتكون حالهم بعد الذنب أحسن من حالهم قبل الذنب، كما قال الله -جل وعلا-: وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى فأكثر العلماء -وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية- أن الأنبياء قد يقع منهم بعض ذنوب، لكن هذه الذنوب ليست في البلاغ، وليست من كبائر الذنوب، وليست من أفعال الخسة.
ثم إنهم إذا وقع منهم بادروا إلى التوبة، كما حصل في قصة قتل موسى للرجل قال بعد ذلك: قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وقال آدم عليه السلام وحواء: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ .
فهم يبادرون إلى التوبة، ثم تكون حالهم بعد التوبة أحسن وأكمل، ولعل الله -جل وعلا- جعل ذلك لئلا يتوهم الناس في هؤلاء الأنبياء أنهم يماثلون الله -جل وعلا-؛ لأن الله -جل وعلا- أفعاله لا تقع إلا لحكمة، وأفعاله -جل وعلا- كلها عدل، وأفعاله -جل وعلا- كلها محمودة.
فلو أن الأنبياء لم يقع منهم ذنب مطلقا ربما توهم أتباعهم فيهم الألوهية من دون الله، فلعل الله -جل وعلا- أراد أن يقع من هؤلاء الأنبياء بعض الذنوب التي لا تتعلق بالبلاغ؛ ليعلم العباد أجمعون أن الذي تقع أفعاله لحكمة وبعدل، وتقع أفعالا محمودة، أن المتفرد بذلك هو الله -جل وعلا-.
وقوله -جل وعلا-: وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ هذا خبر من الله -جل وعلا- لنبيه -صلى الله عليه وسلم- في معرض الامتنان، وهذه السورة -بجماهير العلماء- كانت في مكة، فقوله -جل وعلا-: وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ هذا معناه، أو استفاد منه بعض العلماء أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد غُفر له الذنب قبل أن يقع، فكان الأول والآخر مغفورا، كما قال تعالى: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ .
فالنبي صلى الله عليه وسلم -بناء على هذه الآية وما استدل به بعض العلماء منها- ذنبه مغفور قبل أن يقع، وهذا كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في شأن أهل بدر: لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم .
فتأويل هذا الحديث عند بعض العلماء: أن الله -جل وعلا- غفر لهم قبل أن تقع الذنوب، وعند بعض العلماء معنى هذا الحديث: أنهم لا يموتون إلا على توبة، فهم وإن أذنبوا استغفروا وماتوا قد خلصوا من الذنوب والسيئات.
وهذه الآية -قوله تعالى-: وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ تحتمل هذين المعنيين، إما أن الذنب يقع مغفورا له قبل وقوعه، وهذا ظاهر من قوله -جل وعلا-: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ فقدم -جل وعلا- العفو قبل العتاب، ويحتمل أنه -صلى الله عليه وسلم- وإن وقع منه ذنب، فإنه لا يموت -صلى الله عليه وسلم- إلا وقد تاب منه.
ثم قال -جل وعلا-: وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ يعني: أن الله -جل وعلا- رفع ذكر نبيه -صلى الله عليه وسلم-، وهذا الرفع للذكر كان في الجاهلية، وفي الإسلام، ويكون أيضا يوم القيامة على رؤوس الأشهاد.
وهو ذكر مرفوع له -صلى الله عليه وسلم- عند أهل الأرض، وعند أهل السماء، فالملائكة يذكرونه في الملأ الأعلى إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ والله -جل وعلا- أيضا يذكره في الملأ الأعلى ويثني عليه، وأهل الأرض يذكرونه -صلى الله عليه وسلم- في الصلاة، في الأذان، في كثير من الأذكار، وفي كثير العبادات، ذكره -صلى الله عليه وسلم- يجري على الألسنة.
بل ذكره -صلى الله عليه وسلم- حتى في القلوب، حتى الطاعة والعبادة التي لا يتلفظ فيها بذكر النبي -صلى الله عليه وسلم-، فإن قلوب العباد تذكره؛ لأنه هو الذي دلهم على شرع الله -جل وعلا- ودينه، وكذلك هو في الآخرة يكون له الذكر الأعلى بين الخلائق؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- يكون له المقام المحمود، والشفاعة العظمى التي يشهدها الخلائق أجمعون، فيحمدونه -صلى الله عليه وسلم- بعدها، وهذا من رفع ذكره -صلى الله عليه وسلم-.
ثم قال -جل وعلا-: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا يعني أن العسر يأتي بعده يسر؛ ولهذا أكده الله -جل وعلا-، فعرف العسر بالألف واللام في الآيتين، وهذا يقتضي أنهما شيء واحد، ونكر اليسر فذكره منكرا، وهذا يدل على أنهما شيئان.
وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: لن يغلب عسر يسرين ولكن هذا حديث ضعيف، لكن ثبت عن بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومعناه من حيث اللغة صحيح؛ لأن علماء اللغة يقولون: إن الشيء إذا عرف بالألف واللام وكرر فهو شيء واحد، وإذا نكر كان شيئين، فاليسر هاهنا نكر فكان مرتين، والعسر عرف بالألف واللام فكان مرة واحدة، فهذا دليل على أنه يكون بعد العسر يسر.
استنبط بعض العلماء، وقال بعض العلماء: إن الله -جل وعلا- في هذه الآية قال: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا فجاء بلفظة "مع" ولم يقل: "فإن بعد العسر يسرا" ولكن قال: "مع" قال ليدلل -جل وعلا-، أو ليبين -جل وعلا- لخلقه سرعة اليسر إليهم بعد حصول العسر.
وهذه الآية وإن كانت في جميع الخلق، إلا أنه يستفاد منها أن الله -جل وعلا- ينبئ نبيه -صلى الله عليه وسلم- فيها بأن العسر الذي يحصل له من جراء دعوته للناس للرسالة، ولدين الله -جل وعلا-، سيكون بعده اليسر، وهو الفتح الذي فتحه الله -جل وعلا- على نبيه -صلى الله عليه وسلم-، فأخضع له العرب، ودانت له جزيرة العرب -صلى الله عليه وسلم-.
فهذا فيه بشارة لنبيه -صلى الله عليه وسلم- بأن هذه الكروب التي تتوالى عليه في سبيل دعوته لله -جل وعلا- سيجعل الله تعالى بعدها يسرا، كما قال تعالى: سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا فكانت هذه الآية، أو فكان في هذه الآية معجزة لنبيه -صلى الله عليه وسلم -؛ إذ أنزل الله -جل وعلا- عليه هذه الآية قبل أن يجعل الله -جل وعلا- له اليسر.
ثم قال -جل وعلا-: فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ النصب هو التعب، وقوله: وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ معناه التجئ، وهاتان الآيتان ذكر بعض العلماء أن الله -جل وعلا- أمر نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يوصل العبادة بالعبادة، فكلما نصب في عبادة وانتهى منها، فإنه يرغب إلى الله -جل وعلا- بعبادة أخرى.
وهذا حاله -صلى الله عليه وسلم-، فكان في جميع أحواله مطيعا لله تبارك وتعالى، حتى في مجالسه التي يجلس فيها مع الناس، إما واعظا، وإما مستغفرا -صلى الله عليه وسلم-.
وهذا المعنى هو الذي يدور عليه كلام كثير من السلف؛ لأن بعضهم قال: إذا نصبت من الفرائض فالتجئ أو فارغب إلى الله -جل وعلا- بفعل النوافل، وبعضهم قال: إذا انتهيت من صلاة الفريضة فارغب إلى الله -جل وعلا- بصلاة الوتر، وبعضهم قال: فإذا فرغت من الفريضة فارغب إلى الله -جل وعلا- بالدعاء.
وهذه كلها ترجع إلى أنهم يقولون: إن هذا أن يصل النبي -صلى الله عليه وسلم- العبادة بالعبادة، وبعض العلماء يقول: إن هذه الآية مثلها مثل قول الله -جل وعلا-: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا .
أي: إذا أقمت الجهاد، ودعوت إلى دين الله، ودخل الناس في دين الله، فعليك أن ترغب إلى ربك -جل وعلا-؛ لأن هذا إعلان أو إيذان بوفاته -صلى الله عليه وسلم- كما يأتي -إن شاء الله- عند سورة النصر

رد باقتباس
  #7  
قديم 10-15-2009, 08:16 AM
+
ahmed zoma ahmed zoma غير متصل
مشرف اقسام الاغانى و الافلام



 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الإقامة: Assuit
المشاركات: 21,196
افتراضي رد: تفسير القران الكريم كاملا ( ارجوا التثبيت)

سورة الضحى
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
في هذه السورة أقسم الله -جل وعلا- بالضحى، وهو الوقت المعروف، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى أي: والليل إذا غطت ظلمته الآفاق.
أقسم الله -جل وعلا- بهذين الوقتين على أنه -جل وعلا- ما فارق نبيه -صلى الله عليه وسلم- وما أبغضه؛ وذلك أنه -صلى الله عليه وسلم- لم يقم ليلتين لأنه كان يشتكي، فجاءته امرأة من المشركين فقالت له: ما أظن شيطانك إلا قد فارقك تعني به جبريل -عليه السلام-، أو تعني به هذا الشيطان الذي تزعم، تعني به ما كان منه -صلى الله عليه وسلم- حين يقوم الليل، فتظن أن هناك شيطانا يقارنه من أجل هذه العبادة؛ فأنزل الله -جل وعلا- هذه الآيات.
فقوله -جل وعلا-: مَا وَدَّعَكَ معناه: ما فارقك، وقوله -جل وعلا-: وَمَا قَلَى يعني: ما أبغضك وما كرهك؛ لأن القِلى والقَلاء: هو البغض الشديد، كما قال الله -جل وعلا- على لسان نبيه لوط عليه السلام: إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ يعني أنه -عليه السلام- يخبر قومه أنه يبغض ما هم عليه من فاحشة اللواط بغضا شديدا.
ثم قال -جل وعلا-: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى أي أن الآخرة للنبي -صلى الله عليه وسلم- خير له من الأولى، وهذا في حق المتقين أجمعين، ولكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو أتقى الناس، وأبرهم، وأخشاهم لله، وأعلمهم؛ فله الحظ الأوفر يوم القيامة.
ولهذا ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب فقال: إن الله خير عبدا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ذلك العبد ما عند الله، فبكى أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-، فعجب له الصحابة؛ كيف يخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- عن عبد خير فيبكي، قال أبو سعيد: فكان المخير هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان أبو بكر أعلمنا .
فلأن النبي -صلى الله عليه وسلم- موقن يقينا جازما أن ما عند الله تعالى خير له اختار ما عند الله -جل وعلا-؛ ولهذا قال الله -جل وعلا-: وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ وقال -جل وعلا-: وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ .
ثم قال -جل وعلا-: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى وهذا وعد من الله -جل وعلا- مؤكد بأنه سيعطي نبيه -صلى الله عليه وسلم- ما يرضيه في الدنيا وفي الآخرة، ولقد أعطاه ربه -جل وعلا- في الدنيا ما أقر به عينه، وكتب الخصائص والشمائل شاهدة بهذا، وسيعطيه الله -جل وعلا- في الآخرة ما يرضيه.
وقد تقدم لنا أن الله -جل وعلا- إذا أعطى العبد في الآخرة شيئا يرضيه، فذلك دليل على أن الله -جل وعلا- قد رضي عن هذا العبد؛ لأن الله -جل وعلا- لا يُرضي إلا من رضي عنه، ولا يكرم إلا من أطاعه، وأما من عصاه فإن الله -جل وعلا- لا يكرمه، بل يهينه وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ .
ثم قال -جل وعلا- مبينا منَّته على نبيه -صلى الله عليه وسلم-: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى يعني أن الله -جل وعلا- وجد نبيه -صلى الله عليه وسلم- يتيما لا أب له، بل ولا أم له، فآواه الله -جل وعلا- بما يسره -جل وعلا- له ممن يؤويه، فكان في حضانة جده، ثم في حضانة عمه.
وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى أي أن الله -جل وعلا- وجد نبيه -صلى الله عليه وسلم- لا يعلم هذا الكتاب، ولا يدري شرائع الإيمان ولا يعلمها، فهداه الله -جل وعلا- بأن أنزل عليه هذا القرآن العظيم، وعلمه شرائع الإيمان.
وليس المراد بهذه الآية أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان ضالا على دين قومه، فهذا كلام كما قال الإمام أحمد: "كلام سوء" والنبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن على دين قومه، وما عمل من الأعمال التي كان يعملها قومه فإنما هي من إرث إبراهيم الذي لم يغيره قومه، كدية النفس مائة من الإبل، أو الختان، أو بعض مسائل الزواج، أو الحج.
فهذه من إرث إبراهيم -عليه السلام- ورثها قومه، فلم يغيروها، فكان نبينا -صلى الله عليه وسلم- يفعلها لأنها من دين الخليل -عليه السلام-، ولم يكن يفعلها لأنها من دين قومه، بل لم يكن على دين قومه، كما زعمه بعضهم من أنه -صلى الله عليه وسلم- كان على دين قومه أربعين عاما، وهذا غلط، ولا ينبغي أن يقال، بل هو -صلى الله عليه وسلم- قد وافق قومه فيما بقوا عليه من ميراث إبراهيم -عليه السلام-.
يبين هذه الآية -وهي أن المراد بهذا، أن المراد بهذا أنه لم يكن يعلم الكتاب ولا الإيمان- قول الله -جل وعلا-: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ .
وقال -جل وعلا-: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا .
وقال -جل وعلا-: وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا وقال -جل وعلا-: وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ .
فدلت هذه الآيات على أن قوله -جل وعلا-: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى يعني أنه -صلى الله عليه وسلم- كان غافلا عن الكتاب، وعن شرائع الإيمان، وأما الفطرة التي فطره الله -جل وعلا- عليها، وتوحيده -سبحانه وتعالى-، فهذا معلوم من حاله -صلى الله عليه وسلم-، وسيأتي إن شاء الله.
ثم قال -جل وعلا-: وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى أي: ووجدك فقيرا فأغناك الله -جل وعلا-، وهذا الغنى ليس المراد به -قطعا- أن يكون الغنى بالمال والعرض، وإنما المراد به أن الله -جل وعلا- جعل قلبه غنيا بما آتاه الله -جل وعلا- من الإيمان، والرضا بقضاء الله وقدره، وما امتلأ به قلبه -صلى الله عليه وسلم- من العلم والحكمة.
فهو -صلى الله عليه وسلم- كان فقيرا، فيسر الله -جل وعلا- له خديجة، لكنه -صلى الله عليه وسلم- بعد وفاة خديجة هاجر إلى المدينة، وكان -صلى الله عليه وسلم- في المدينة ليس عنده شيء، حتى كان -صلى الله عليه وسلم- يبيت الليالي طاويا لا يجد ما يأكله، ولكن الله -جل وعلا- جعل غناه في قلبه، كما قال -صلى الله عليه وسلم-: ليس الغنى عن كثرة العرض وإنما الغنى غنى القلب .
ثم قال -جل وعلا-: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ هذا نهي من الله -جل وعلا- لنبيه -صلى الله عليه وسلم- عن قهر اليتيم على أي وجه كان القهر، سواء بالكلام، بالقول، أو بالفعل، أو بأخذ ماله، أو بالتسلط عليه، أو بإيذائه بالأقوال، فكل ذلك لا يحل.
وهذا النهي وإن كان للنبي -صلى الله عليه وسلم- إلا أنه عام لأمته -عليه الصلاة والسلام-، فإذا كان -عليه الصلاة والسلام- يُنهى عن ذلك، وهو الذي وصفه ربه -جل وعلا- بقوله: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ فمن باب أولى أن يُنهى عن ذلك من لم يكن مثله -صلى الله عليه وسلم-، بل ولا يدانيه، وهم أمته -عليه الصلاة والسلام-.
ثم قال -جل وعلا-: وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ السائل قال بعض العلماء: هو الذي يسأل الناس، يسألهم المال، وهذا يدل عليه قول الله -تبارك وتعالى- في سورة الإسراء: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا .
يعني: إذا كان ما عندك شيء، ما عندك رزق، وكنت ترجو فضل الله -جل وعلا- عليك، فقل لهم كلاما لينا سهلا ميسورا، وهذا هو الذي يدل عليه قوله -جل وعلا- في هذه الآية: فَلَا تَنْهَرْ يعني: لا تزجره، ولا تطرده، ولا تقل له قولا سيئا.
وبعض العلماء يقول: إن المراد وَأَمَّا السَّائِلَ يعني: السائل عن أمر دينه، الذي يسأل عن أمور دينه، فلا يُنهر، وهذا يدل عليه ما تقدم لنا في أوائل سورة "عبس".
ولا مانع من أن يكون النهي شاملا لهذين الصنفين، فلا يُنهر من جاء سائلا عن العلم شريطة ألا يكون هذا السؤال سؤال تعنت؛ لأن الأسئلة في العلم مختلفة، لكن إذا كان السؤال لإنسان يريد أن يتبصر بدينه فهذا لا يُنهر، وكذلك إذا كان سائلا يسأل مالا، فإن لم تعطه فلا تنهره، وهكذا دل عليه كتاب الله -جل وعلا-.
ثم قال -جل وعلا-: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ يعني أن العبد إذا أنعم الله -جل وعلا- عليه بنعمة في دينه أو دنياه فإنه يتحدث بها، ولكن هذا الحديث حديث شكر، لا حديث فخر ولا رياء ولا سمعة، وإنما يتحدث بذلك من باب الشكر لله على ما مَنَّ به عليه، ووفقه وهداه إليه من نعمة الدين أو الدنيا، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قد أنعم الله -جل وعلا- عليه؛ فأمره ربه -جل وعلا- أن يتحدث بهذه النعمة.
وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن قوله -جل وعلا-: وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ هذه متضمنة لتخليص الأنفس من البخل؛ لأن الله -جل وعلا- إذا أمر العبد بالتحدث بهذه النعمة فتحدث بها البخيل، فإنه لا يستطيع أن يكتم ما عنده من الأموال؛ لأن من عادة البخيل أنه يكون كتوما لما عنده من النعم، فلا يظهرها، ولا يتحدث بها؛ لئلا يسأله الناس، ففي هذه الآية إشارة إلى أن الإنسان ينبغي أن يطهر نفسه من البخل، وأن يكون باذلا، وهذا ما تضمنته هذه الآية. نعم.








سورة الليل

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى

هذا قسم من الله -جل وعلا- بالليل إذا يغشى، ومعنى ذلك أنه يغشى النهار بظلمته فتظلم الآفاق والنواحي، وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى أي النهار إذا خرج بضوئه واتضح وأشرق، وهذا -تعاقب الليل والنهار- آية من آيات الله: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى هذا إقسام من الله -جل وعلا- بنفسه -سبحانه وتعالى- يعني: والذي خلق الذكر والأنثى، والذي خلق الذكر والأنثى هو الله -جل وعلا-، كما قال الله -جل وعلا- في آية النجم: وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى وقال -جل وعلا-: أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى .

ثم قال -جل وعلا-: إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى أي أن سعي العباد وعملهم مختلف، فمنهم من يعمل بعمل أهل النار، ومنهم من يعمل بعمل أهل الجنة.
ولهذا بيّن الله -جل وعلا- كثيرا في كتابه انقسام الناس إلى هذين الصنفين: لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ وقال تعالى: أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ إلى غيرها من الآيات التي تبين انقسام الناس إلى قسمين، وهذا الانقسام ناتج عن انقسام العمل في الدنيا.
ثم قال -جل وعلا-: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى هذا تفصيل لانقسام الناس، فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى أكثر أهل التفسير على أن المراد أن هذا العبد بذل، وأنفق في سبيل الله -جل وعلا-، وامتثل أمر الله -جل وعلا- في الإنفاق.
وَاتَّقَى اتقى محارم الله -جل وعلا-، سواء في الإنفاق أو في عموم أحواله؛ لأن اتقاء الله -جل وعلا- في الإنفاق داخل في اتقاء الله تعالى، ولهذا إذا أنفق الإنسان ماله فيما يغضب الله لم يكن متقيا لله، فقوله -جل وعلا-: وَاتَّقَى أي: اتقى محارم الله -جل وعلا- ومن ذلك ألا ينفق المال إلا في وجهه الذي أُذن له فيه شرعا.
وقوله -جل وعلا-: وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى الحسنى -قال بعض العلماء- هي كلمة التوحيد ( لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) وهذا يعود إلى قوله -جل وعلا- في سورة البلد: ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يعني هنا اتقى، اتقى محارم الله، وعمل بأوامر الله، وصدق بـ "لا إله إلا الله" والتصديق بـ "لا إله إلا الله" يقتضي العمل بها وبما دلت عليه.
وبعض العلماء فسر الحسنى بالجنة وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى المراد بها بالجنة؛ لأن الله -جل وعلا- قال: لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وقال -جل وعلا-: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ .
وقال بعض العلماء: الحسنى المراد به أن يكون واثقا بوعد الله -جل وعلا-، ومصدقا به، وهذا الوعد هو وعد الله الذي وعد أن يُخلف به على عباده المنفقين، كما في قوله تعالى: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ .
وهذه تفسيرات لا اختلاف بينها؛ لأن من صدق بـ "لا إله إلا الله" وبما دلت عليه "لا إله إلا الله" كان جزاؤه الجنة، وأخلف الله -جل وعلا- عليه في الدنيا، فالإنسان في الدنيا من أهل التوحيد إذا آمن بالله، وصدق بكلمة التوحيد، وأيقن بها، وعمل بها؛ فإن هذه الكلمة مهما أنفق في الدنيا من نفقات، فإن قلبه يكون مطمئنا بوعد الله؛ لأن الإخلاف هذا ليس معناه أن الإنسان إذا أنفق ألفا أنه من الضروري أن يكسب أكثر من ذلك.
الإخلاف هذا شيء عام، إما أن الله -جل وعلا- يزيد في المال، أو يبارك في المال، ولهذا بعض الناس يملك دراهم كثيرة، ولكن لا يبارَك له في ماله، فلا ينتفع به، وبعضهم يملك قليلا من المال، ولكن يبارك له فيه بسبب نفقته، فينتفع بهذا المال.
وكذلك من الإخلاف أن الله -جل وعلا- يشرح صدر العبد، ويجعله راضيا بما قضاه الله عليه وقدّره، وبما قسمه عليه من الرزق، ولهذا أهل الإنفاق إذا أنفق لله -جل وعلا- فإنه يرى أنه في انشراح صدر، وأن باله مطمئن، وأنه يرى من نفسه ازديادا، ازدياد وثوق بوعد الله -جل وعلا- لعباده.
فالشاهد أن من قال: "لا إله إلا الله" بصدق، صدق بهذه الكلمة، فإن مرده إلى الجنة، ومرده إلى أن يخلف الله -جل وعلا- عليه ما أنفقه، قال الله -جل وعلا- عن جزائه: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى فهو إذا صدق بالجنة، وصدق بـ "لا إله إلا الله" وصدق بوعد الله، يسره الله -جل وعلا- - للحالة اليسرى.
وهذه الحالة اليسرى إذا يُسِّر لها العبد في الدنيا يسره الله -جل وعلا- في الآخرة إلى جنات النعيم؛ لأن هناك ارتباطا بين الآخرة والدنيا، فمن كان على الصراط المستقيم في الدنيا هُدي يوم القيامة إلى جنات النعيم: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ .
وهذه الآيات بينت أسباب نيل اليسرى، وهي الإعطاء، وهو الإنفاق في سبيل الله قاصدا العبد بذلك وجه الله -جل وعلا-، والثاني: اتقاء الله -جل وعلا- وذلك يقتضي الكف عن محارمه، وثالثها: أن يصدق العبد بالحسنى، فهذه ثلاثة أشياء إذا اجتمعت في العبد يسره الله -جل وعلا- لليسرى، وهذا يقتضي أن العبد له فعل، وأنه يفعل باختياره، ولكن التوفيق بيد الله -جل وعلا-.
فقوله في هذه الآيات: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى هذه كلها كسب للعبد، وقوله -جل وعلا-: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى هذه لله -جل وعلا-، هذه معنى قوله: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى يُلهم التقوى في الدنيا، ويُجعل يسير على الطريق الذي ارتضاه الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- في الدنيا، يلهم ذلك إلهاما من الله، لكن هذا له سبب، وهو الإعطاء والتصديق والاتقاء.
كما دلت هذه الآيات على أن العبد إذا عمل صالحا وفقه الله -جل وعلا- وزاده من الصالحات؛ لأن العبد هنا لما عمل صالحا وفق إلى الصالحات الأخرى، وهي المدلول عليها بقوله: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وهذه كما قال الله تعالى: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ .
ثم قال -جلا وعلا-: وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى يعني أن من بخل بماله فلم ينفقه في سبيل الله، واستغنى عن طاعة الله بحيث انصرف عنها، واستغنى عما وعد الله -جل وعلا- به، واستغنى عن الأجر العظيم، ووقع في المحارم، وكذب بالحسنى -وهي كلمة التوحيد أو الجنة- أو بوعد الله بالإخلاف، فهذا يكون مرده إلى أن يُيسر للعسرى، فتُلهم نفسه فجورها، ثم يكون في الآخرة من أهل النار.
فهذا عمل من العبد، وهو البخل والاستغناء والتكذيب، ورتب الله -جل وعلا- عليه شيئا آخر وهو التيسير للعسرى، فدل ذلك أن للعبد كسبا، ولكن الله -جل وعلا- هو الذي يوفق أو يخدم، فهذا لما عمل السيئات خذله الله -جل وعلا- فلم يلهمه الله -جل وعلا- إلا الفجور، فيكون مردُّه في الآخرة إلى النار.
ثم قال -جل وعلا-: وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى يعني أن هذا العبد الذي بخل واستغنى إذا تردى وهلك، وهلاكه يكون إلى النار، فالله -جل وعلا- عبر هنا بالتردي؛ لأن التردي يكون من أسفل إلى أعلى، وهؤلاء يُقذفون في النار لأنهم -كما أخبر الله- يؤخذون بالنواصي والأقدام، ثم بعد ذلك يلقون في نار جهنم.
فهو إذا تردى وهلك ومات إلى النار ماله الذي بخل به لا يغني عنه شيئا، كما قال الله -جل وعلا- عن أبي لهب: مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ وقال الله -جل وعلا- في شأن الكافر يوم القيامة إذا أخذ كتابه بشماله أنه يقول: مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ .
وقال -جل وعلا-: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ فأخبر -جل وعلا- أن يوم القيامة لا ينفع فيه مال ولا بنون؛ لأن هذه إنما تنفع العبد -إن نفعته- في الدنيا، وأما في الآخرة فينقطع عنه كل شيء إلا شيء واحد وهو العمل الصالح.
ثم قال الله -جل وعلا-: إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى قال بعض السلف: يعني إن الله -جل وعلا- عليه بيان طريق الهدى، وذلك ببعثة الأنبياء والمرسلين، وإنزال الكتب، وإقامة الحجة على الخلق، وبيان الطريق الموصل إليه -جلا وعلا-.
وبيان الطريق الموصل إلى الله -جلا وعلا- يتضمن أن يحذر الله -جل وعلا- عباده من طرق الغواية والضلالة، ولهذا ما ذكر الله -جل وعلا- طريق الضلال؛ لأنه -جل وعلا- إذا بين طريق الهداية وأرشد إليه كان من بيان طريق الهداية أن يُحذَّر العباد من طريق الضلالة والغواية، فاكتفى الله -جل وعلا- بذكر ذلك.
وقال بعض العلماء: إن معنى الآية أن الطريق الموصل إلى الله هو الهدى، وهذا الهدى هو الطريق المستقيم الذي بعث الله به نبيه -صلى الله عليه وسلم- كما قال الله -جل وعلا-: قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ وقال: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ .
وعلى كل الله -جل وعلا- بين هذا وذاك، فأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وبين طريق الهداية، وأخبر -جل وعلا- أن الطريق الموصل إليه هو طريق الهدى، وطريق الهدى هو الذي بعث الله به نبيه -صلى الله عليه وسلم-.
ثم قال -جل وعلا-: وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى هذا فيه تفرد الله -جل وعلا- بالملك في الدنيا والآخرة؛ فهو -جل وعلا- له الآخرة وله الأولى كما قال -جل وعلا-: وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وقال -جل وعلا-: لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وقال الله -جل وعلا-: الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وقال -جل وعلا-: وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ إلى غيرها من الآيات التي تقدمت في سورة الانفطار.
ثم قال -جل وعلا-: فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى اللظى هو خالص اللهب، يعني أن هذه نار قد اشتدت وعظمت وخلص لهبها من شدة الإيقاد عليها؛ لأن النار كلما يُزاد الإيقاد عليها كلما يكون لهبها صافيا، وهذه النار التي أعدها الله -جل وعلا- أعدها للأشقى، والأشقى هذا وصفه الله -جل وعلا- وبينه قال: الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى يعني كذب بآيات الله وبما جاء النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتولى وأعرض عن ذلك، وهذه الآية في الكفار.
وقد أخطأت المرجئة، فاستدلوا بهذه الآية على أن المسلم لا يدخل النار أبدا، وأن النار إنما هي للكافرين، وهذا غلط، ولا يحل لعبد أن يعتقده؛ لأن الله -جل وعلا- بين أن فريقا من المؤمنين يعذبون في النار كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ .
فهناك أقوام يعذبون بالنار، ويخرجون بشفاعة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبشفاعة الشافعين، ثم بعد ذلك يخرجون بفضل الله ورحمته، فلو قلنا إن النار لا يدخلها إلا الكافر لكان في ذلك إبطال لآيات الكتاب وأحاديث النبي -عليه الصلاة والسلام-، ولكن كما تقدم معنا أن قوله -جل وعلا-: لَا يَصْلَاهَا أن الصلي إنما هو خاص بالكفار، وأما المؤمن فتصيبه هذه النار ثم يموت، ثم يلقى في نهر الحياة، ثم يدخل الجنة بعد ذلك بفضل الله ورحمته.
ولهذا وصف الله -جل وعلا- هذا الأشقى قال: الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ثم قال -جل وعلا-: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى أي سيجنب هذه النار الأتقى، وهو الذي اتقى الله -جل وعلا-، ثم بين الله -جل وعلا- صفته وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى أي ينفق ماله لأجل أن يتزكى ويتطهر، ويقوى إيمانه ويزداد، لا يفعل ذلك محبة في الشهرة، ولا طلبا لما عند البشر، ولا رياء ولا سمعة، إنما يفعل ذلك من أجل التزكي، وهذا فيه إثبات كسب العبد.
ثم قال: وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى أي أنه وهو ينفق هذا المال لا يريد من هذا المال، أو ليس لأحد من الخلق عليه نعمة قد أسداها إليه، فيريد بإنفاقه هذا أن يكافئه على هذه النعمة، ولكنه يفعل ذلك ابتغاء وجه الله -جل وعلا- كما قال تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا .
ثم قال -جل وعلا-: وَلَسَوْفَ يَرْضَى أي أنه يوم القيامة يرضى لأن الله -جل وعلا- يكرمه غاية الإكرام، ويكون الله -جل وعلا- راضيا عنه، فالعبد إذا وصف في الآخرة بأنه يرضى فهذا دليل على رضا الله -جل وعلا- عنه؛ لأنه إذا رضي في الآخرة فإن الله -جل وعلا- قد أكرمه، وإذا أكرم الله عبده فهذا دليل على رضاه، فدل قوله -جل وعلا-: وَلَسَوْفَ يَرْضَى أي أنه هو يرضى، والله -جل وعلا- قد رضي عنه وأرضاه.
وهذه الآية، ذهب جمهور المفسرين إلى أنها نزلت هذه الآيات من قوله -جل وعلا-: وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى في أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه-؛ لأنه أنفق في سبيل الله -جل وعلا-، ولم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- له نعمة على أبي بكر إلا نعمة الإسلام، وأما قبل ذلك فليس للنبي -صلى الله عليه وسلم- نعمة على أبي بكر، وإنما فعل ذلك أبو بكر ابتغاء وجه الله -جل وعلا-، وهذه إحدى فضائل أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه وأرضاه- وما أكثر فضائله، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.





















سورة الشمس


أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا

هذه السورة أقسم الله -جل وعلا- فيها بالشمس وضحاها، والمراد بالشمس وضيائها، وإشراقها؛ لأن الشمس إذا خرجت أحدثت ضياء، وإشراقًا في الأرض، وهو النهار، فمن فسرها: الشمس وضحاها بأن المراد النهار، أو أن المراد الضياء، أو الإشراق، فكلها معان صحيحة، كلها تدل على شيء واحد، فقوله -جل وعلا-: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا هذا إقسام من الله -جل وعلا- بالشمس، وإشراقها، وضيائها، ونورها، ونهارها.

وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا يعني: هذا -أيضًا- قسم آخر بالقمر إذا تلا الشمس؛ لأن الشمس إذا غربت طلع القمر، وأعظم ما يكون ذلك عند الهلال؛ لأن الهلال هلال الشهر يكون بانفصال الشمس عن القمر، فبمجرد انفصال الشمس عن القمر شيئًا يسيرًا يبرز الهلال، ويخرج، ففي هذا الوقت يكون القمر تاليًا للشمس مباشرة، لكن في بعض أوقات الشهر قد يتأخر خروج القمر، لكنه هو الذي يتلو الشمس.
ثم قال -جل وعلا-: وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا أي: يقسم الرب -جل وعلا- بالنهار إذا جلى الشمس؛ لأن الشمس إذا خرجت، ورآها الناس في النهار رأوها رؤية جلية واضحة، قد تجلت لهم الشمس.
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا يعني: والليل إذا غشي الشمس؛ لأن الليل إذا جاء على الشمس غشاها، وأبعد نورها فكان الظلام، وهذه الآية كما قال الله -جل وعلا-: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا .
ثم قال -جل وعلا-: وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا وهذا إقسام بالسماء، والذي بناها، وهو الله -جل وعلا- وقد تقدم لنا ذلك كثيرًا كما في قوله -تعالى-: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا إلى غيرها من الآيات، فهذا إقسام من الله -جل وعلا- بالمخلوق، وهو السماء، وبالخالق، وهو الله، جل وعلا.
وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا وهذا إقسام بالأرض، وبالذي طحاها، وهو الله -جل وعلا- ومعنى طحاها: دحاها، الذي تقدم لنا في سورة النازعات، وذكرنا هناك أن الله -جل وعلا- بين ذلك بقوله: أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا فطحاها ودحاها بمعنى واحد.
وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا هذا إقسام من الله -جل وعلا- بالنفس، وبالذي خلق النفس، وهو الله -جل وعلا- وتقدم لنا معنى التسوية في سورة الانفطار.
فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا هذا فيه أن الله -جل وعلا- يخلق أفعال العباد، وأن هدايةَ العباد، أو ضلالهم، أو توفيقهم، أو خذلانهم إنما مردُّه إلى إرادة الله -جل وعلا- لأن الله -جل وعلا- هو الذي يلقن النفوس ذلك.
ففي هذا إثبات لقدرة الله -جل وعلا- كما أن للعبد قدرة، وإرادة، وكسبا، الذي بينه الله -جل وعلا- بعد هذا في قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا أي: قد أفلح بمعنى فاز وظفر، ونجى من زكى نفسه بمعنى طهرها من الأدناس والأنجاس، ونماها بالإيمان والعمل الصالح، وقد خاب من دساها يعني: خاب وخسر من دنَّس نفسه بالكفر بالله ومعصيته -جل وعلا- فهذا قوله -جل وعلا-: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا هذا فيه إثبات كسب العبد، وأن العبد له في فعله اختيار، وأنه يفعل هذه الأفعال باختياره، ولكن هذا الاختيار لا يقع إلا بعد إرادة الله ومشيئته، فقد يعمل العبد عملًا صالحًا، ولكن الله -جل وعلا- يريد له غير ذلك، فيختم الله -جل وعلا- له بخاتمة السوء؛ لأن الله -جل وعلا- لا يقع في ملكه إلا ما يريد.
فالعبد له كسب واختيار، ولكن كسبه واختياره لا يكون إلا بإرادة الله -جل وعلا- ومشيئته، ولا يزكو قلبه، ولا يتطهر، ولا تكون نفسه ملهمة للتقوى إلا إذا أراد الله -جل وعلا- ذلك؛ لأن ذلك بيده؛ ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- كما ثبت في الصحيح من دعائه: اللهم آتي نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها .
وأحسن ما يشرح هذا قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح، حديث عمران بن حصين، الذي رواه الإمام مسلم: أنه جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلان من مزينة فسألا النبي -صلى الله عليه وسلم- عن العمل، آلعمل فيما مضى وقدر، أو فيما يكون، ويستقبل؟ أو فيما يستقبل؟ مما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- وأخبرهما -صلى الله عليه وسلم-: أن العمل يقع على ما قضي وقدر، ثم قال -صلى الله عليه وسلم-: وذلك قوله -تعالى-: فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا

فدل ذلك على أن هناك قدرًا سابقًا، وهو الذي علمه الله -جل وعلا- قبل خلق السماوات والأرض.
ولكن العبد مأمور بالكسب والسعي فيما ينفعه؛ ولهذا لما سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- فقيل له: ففيما العمل يا رسول الله؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له فإن كان من أهل السعادة، فسيسر إلى عمل أهل السعادة، وإن كان من أهل الشقاوة، فسيسر إلى عمل أهل الشقاوة، فدلت هذه الآيات على ضلال الجبرية الذين يقولون: إن العبد مجبور على هذه الأعمال، وهذه الأفعال بغير اختياره، وأنه كالريشة في مهب الريح.

كما دلت على بطلان القَدَرية الذين يقولون: إن هذه الأفعال تقع من العباد بغير إرادة الله، فهدى الله -جل وعلا- أهل السنة والجماعة لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فهداهم إلى ما أرشدهم به نبيهم -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: إن للعبد مشيئة واختيارا، وأنه يعمل باختياره، وأن له كسبا، ولكنه لا يقع إلا بإرادة الله ومشيئته وتوفيقه، فالمخذول من خذله الله، والموفق من وفقه الله، جل وعلا.
ثم قال -جل وعلا-: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا تقدم لنا الحديث عن ثمود، فقوله -جل وعلا-: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا يعني: أنهم كذبوا بسبب طغياهم؛ لأن الله -جل وعلا- وصفهم بالطغيان كما قال -تعالى-: الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فكذبوا بسبب طغيانهم، وليس بسبب أن الله -جل وعلا- لم يرشدهم، ولم يدلهم على الطريق الأقوم، بل الله -جل وعلا- أظهر لهم آية ومعجزة كما طلبوا، وهي الناقة، بعثها الله -جل وعلا- من الصخرة آية ومعجزة، فرأوها، فقامت عليهم الحجة.
فما كان لهم من حجة في دفع ما جاء به نبي الله صالح أبدًا؛ ولهذا قال الله -جل وعلا-: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى وقال -جل وعلا-: وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا .
فحجتهم… فالحجة التي أقيمت عليهم من أعظم حجج الأنبياء، التي أقيمت على أقوامهم، ومع ذلك بسبب طغيانهم كذبوا بهذه الناقة وكفروا بصالح، ولم يؤمنوا ثم قال -جل وعلا-: إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا كذبوا حين انبعث الأشقى، وأشقاهم كما تقدم أن المؤرخين والمفسرين، يقولون: هو قدار بن سالف، وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن هذا الرجل الذي انبعث أشقى ثمود، أنه كان عزيزًا في قومه منيعًا، فهو من أشراف قومه ورؤسائهم، ولكن اسمه لم يأت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وإنما ذكره المؤرخون، وهذا لا يضر في تفسير الآية، ولكن الذي انبعث -قطعا- وهو الأشقى الذي أخبر به النبي، صلى الله عليه وسلم.
فقوله -جل وعلا- إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا يعني: أشقى القبيلة؛ لأن ثمود قبيلة، فانبعث أشقاهم، فدلت الآية على أنهم كانوا أشقياء؛ ولهذا عاتبهم الله -جل وعلا- جميعًا إلا من اتبع صالحا، وهم قلة، إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا .
يعني: قال لهم رسول الله، صالح -عليه السلام-: اتركوا ناقة الله واحذروا أن يصيبكم العذاب بسبب اعتدائكم عليها، قال لهم: نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا يعني: ذروا ناقة الله، وذروا سقياها، وهي البئر، وهي اليوم الذي كانت تشرب الناقة فيه من البئر؛ لأنهم اتفقوا على أن لهذه الناقة يومًا تشرب فيه، ولهم يوم يشربون فيه، فلما طال عليهم الأمد قتلوا هذه الناقة، وأخلفوا ما وعدوا به صالحا، عليه السلام. فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا العقر: في أصله هو ضرب قوائم الفرس بالسيف، فهؤلاء القوم عقروا هذه الناقة، وقتلوها والذي قتلها واحد، أو بضعة أشخاص، ولكن الله -جل وعلا- عمم الآية عليهم، وقال: " فعقروها" فشملت الجميع؛ لأنهم تمالئوا، وإن لم يباشروا القتل، وإن لم يباشروا قتل الناقة بأنفسهم إلا أنهم تمالئوا على قتلها، ورضوا بهذا، فجعلهم الله -جل وعلا- جميعًا عاقرين لهذه الناقة.
ثم بين الله -جل وعلا- جزاءهم، فقال: فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ أي: أن الله -جل وعلا- أطبق عليهم العذاب بسبب ذنبهم، وهذا دليل على أن الله -جل وعلا- إنما يعاقب العباد بأفعالهم، لا بأفعال غيرهم، وإنما يعاقبون بأفعالهم، فهؤلاء عوقبوا بسبب ذنوبهم، وأن من جاءه العذاب مع قوم قد أنكر عليهم ما هم فيه، فإنه يبعث على نيته بسنة نبينا -صلى الله عليه وسلم- فهؤلاء بسبب ذنوبهم عاقبهم الله -جل وعلا- وأطبق عليهم العذاب جميعًا، وسوى عليهم العذاب، على الصغير والكبير، والذكر والأنثى.
وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا يعني: أن الله -تعالى- فعل ذلك، ولم يخف من عاقبة ما صنع -جل وعلا- لأن الله -جل وعلا- هو الذي يدبر السماوات والأرض، وهو القاهر لكل شيء.
القائد في الدنيا، أو السلطان، أو الرئيس، أو غيرهم إذا صنع.
بسم الله الرحمن الرحيم
ثم إن بعض العلماء التمس حكمة في إيراد الله -جل وعلا- لثمود دون الأمم، ما ذكر قوم لوط، ولا قوم هود، ولا قوم شعيب، ولم يذكر أقواما آخرين، وإنما ذكر ثمود.
وثمود هذه ذكرت هاهنا؛ لأن الحجة قد قامت عليهم، ورأوا الآية مبصرة، ودُلوا على طريق الهدى بأكمل دلالة وأبينها، ولكنهم انسلخوا منها، فلم يهتدوا.
فهذا فيه إثبات ما دلت عليه الآيات من أن الله -جل وعلا- إذا لم يرد بعبده خيرا كان قلبه فاجرا، وإذا أراد به خيرا ألهمه تقواه، هؤلاء جاءتهم الآية مبصرة، ولكن الله -جل وعلا- ما أراد بهم خيرا؛ فلهذا لم يهتدوا، فدل على أن الهداية بيد الله، ولكن الإنسان يسعى.
كما أن الله -جل وعلا- ذكر ثمود؛ لأنهم كانوا من أقرب الأمم المهلكة إلى العرب، فنبيهم صالح كان عربيا، وهم كانوا في طريق قريش إلى الشام؛ لأنهم كانوا بين الحجاز وتبوك، فكانوا يمرون على ديارهم في رحلتهم إلى الشام، وكانت آثارهم باقية بعدهم، تشاهَد للأعيان إلى يومنا الحاضر.
وهذا فيه آية وعبرة لكفار قريش؛ لأنهم جاءتهم آيات مبصرة من عند الله -جل وعلا-، وأعظمها هذا القرآن الذي بعث الله به نبيه -صلى الله عليه وسلم-، فكأن فيه تحذيرا لأولئك، أنهم إن لم يؤمنوا بهذا القرآن، مع وضوحه، ومجيء الآية مبصرة وظاهرة، بل جاءتهم آيات أخرى، ومعجزات باهرة له -صلى الله عليه وسلم-، ومع ذلك كفروا؛ فهم حريّون بأن يُحِل الله -جل وعلا- بهم عذابه كما أحله بثمود، وإذا صنع الله -جل وعلا- بهم ذلك، فإنه يكون بعدله -جل وعلا-.































سورة البلد
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد الله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

افتتح الله -جل وعلا- هذه السورة بالقسم، بالبلد، والبلد المراد بها: البلد الحرام، مكة، قد أقسم الله -جل وعلا- بها في موضع آخر وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ وقوله -جل وعلا-: وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ إما أن يكون معناه، وأنت حالٌّ بهذا البلد يعني: النبي -صلى الله عليه وسلم- بمعنى، وأنت مقيم في هذا البلد، ساكن فيه، وهو مكة، فإن القسم يزداد تأكيدًا إذا قسم بالبيت، وفي محيطه أشرف الخلق -صلى الله عليه وسلم-، فكأنه قسم بأشرف الأمكنة التي يوجد فيها أفضل الخلق -صلى الله عليه وسلم- أو أن يكون معناه، وأنت حلٌّ، أي: وأنت حلال بالبيت الحرام، في وقت رفع حرمته، وهي الساعة التي أحلت للنبي -صلى الله عليه وسلم- لما دخل مكة.
فمكة حرام بحرمة الله -جل وعلا- حرمها الله -جل وعلا- كونًا وشرعًا، حرمها كونًا يوم خلق السماوات والأرض، وحرمها شرعًا على لسان إبراهيم عليه السلام، ثم أظهر ذلك -جل وعلا- على لسان نبينا -صلى الله عليه وسلم- فيكون المراد: هذا إقسام بالبيت الحرام حالة كون هذا البيت حلالًا للنبي -صلى الله عليه وسلم- قد انتزعت فيه الحرمة، وهذا الوقت هو يوم فتح مكة، فقد أحل للنبي -صلى الله عليه وسلم- ساعة من نهار كما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصحيحين أنه قال: إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ثم قال -عليه الصلاة والسلام -: وإنها لم تحل لأحد قبلي، ولن تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار وعلى هذا يكون في هذه الآية بشارة ومعجزة لنبينا -صلى الله عليه وسلم- لأن سورة البلد سورة نزلت بمكة بإجماع العلماء، وكون الله -جل وعلا- يقسم بهذا البلد حالة كونه حلالا للنبي -صلى الله عليه وسلم- ولما يهاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد إلى المدينة، ولما يأت فتح مكة، فهذا آية من آيات الله، جل وعلا.
ثم قال -جل وعلا-: وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ الوالد هو آدم -عليه السلام- لأن منه البشر، خلقه الله ثم خلق حواء منه، ثم تناسل الخلق بعد ذلك من ذكر، وأنثى إلا عيسى ابن مريم -عليه السلام- فمن أنثى، وهذا آية من آيات الله، وأما بقية الخلق فمن ذكر، وأنثى، فقوله -جل وعلا-: وَمَا وَلَدَ يعني: ما خرج من صلب آدم وتناسل إلى يوم القيامة، وهو الذي عليه جمهور أهل التفسير، فيكون الله -جل وعلا- قد أقسم بأصل المكان، وأقسم بأصل السكان، فالله -جل وعلا- أقسم بأصل المكان، وهي مكة؛ لأن مكة هي أم القرى، كما قال الله -جل وعلا-: وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وفي قوله -جل وعلا-: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وأم القرى هي مكة.
وقد قال ابن عباس -رضي الله عنه-: إنها سميت بأم القرى؛ لأن الله -جل وعلا- دحا الأرض من قِبَلها. وبعض التابعين يقول: إن الله سماها بأم القرى؛ لأنها أول ما وضع من الأرض. والله أعلم.
وأما أصل السكان، فهو إقسام بآدم -عليه السلام- وهو أصل البشر الذين يسكنون الأرض، فهذا قسم من الله -جل وعلا- بهذين الأصلين، وقسم بأشياء شريفة في هذه الآية، والمقسم عليه قوله -جل وعلا- لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ الكبد: أصله الشدة، والمراد: أن الله -جل وعلا- خلق الإنسان في شدة من خلقه، وإتقان، وإحكام كما قال الله -جل وعلا-: نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ يعني: نحن خلقناهم وشددنا خلقهم، كما فسرها بذلك ابن عباس، رضي الله عنهما.
ويؤيد هذا أن الله -جل وعلا- بعد هذه الآية ذكر ترفع الإنسان، وإعجابه بنفسه، فكأن الله -جل وعلا- يقول: خلقناه، فأحسنا خلقه، وأحكمناه، وشددناه، ثم بعد ذلك يظن أن الله -جل وعلا- الذي خلقه لا يقدر عليه، وأنه لا يراه، وهذا فيه توبيخ لهذا الإنسان الذي ظن هذا الظن السيئ.
وقوله -جل وعلا-: أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ أي أيحسب: أيظن الإنسان أن لن يقدر عليه أحد؟ وقوله: أحد، هذا يشمل الخلق والمخلوق فهو يظن أن لن يقدر عليه أحد سواء كان خالقا، أو مخلوقا.
وقد رد الله -جل وعلا- ذلك وبين -جل وعلا- أنه قادر كما في قوله -جل وعلا-: قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ وقال -جل وعلا- في شأن إعادته: بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا أي أن هذا الإنسان الكافر الذي يظن أن الله -جل وعلا- لا يقدر عليه يقول متباهيًا متعاظمًا: أهلكت مالًا كثيرًا؛ لأن اللبد هو المال، أو الشيء المتجمع الذي يعلو بعضه بعضًا، كما قال الله -جل وعلا- في شأنهم: كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا أي كادوا يكونون طبقات بعضها يعلو بعض.
فهذا يقول: أهلكت مالا لبدا، يقول هذا على وجه الرياء والسمعة، ومحبة المدحة من الخلق، ورغبة في ثناء الخلق عليه، ولم يهلك هذا المال في الحق، وإنما أهلكه في الباطل، وهذا شأن الكافر؛ لأنه -كما تقدم- الكافر يجمع المال، ويبخل به، فيعاقبه الله -جل وعلا- عليه، وهذا جمع المال، فأنفقه في غير طريقه.
ثم قال -جل وعلا-: أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ أيظن أنه لم يره أحد لا خالق ولا مخلوق؟! بلى إن الله -جل وعلا- قد رآه وعلم حاله، وعلم، أو اطلع على سريرته وعلم ما يظنه بربه من الظن السيئ، وعلم -جل وعلا- ما ينفقه من هذه النفقات التي تقع في غير وجهها، كما قال الله -جل وعلا- مبينا اطلاعه على ذلك: أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ فأخبر -جل وعلا- أنه يعلم، وأن هذا الظن باطل وسيئ، لا يليق بمقام الربوبية والألوهية لله، جل وعلا.
ثم قال -جل وعلا- مبينا منته على هذا الإنسان: أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ فقوله -جل وعلا-: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ يعني: بينا له الطريقين: طريق الخير؛ ليسلكه، وطريق الشر؛ ليبتعد عنه، وهذه الآية كقول الله -جل وعلا-: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا وعبر الله -جل وعلا- في هذه الآية بقوله: "النجدين" عن الطريق؛ لأن النجد هو الطريق في ارتفاع، فلما كان الله -جل وعلا- قد بين طريق الغواية، وبيَّن طريق الهداية بيانًا بحيث لا يخفى على من رزقه الله بصيرة، صار كالطريق المرتفع الذي يرى رؤية واضحة لا غبش فيها.
وهذه الآية تدل على أن الله -جل وعلا- خلق الخلق، ولم يتركهم سدًى كما ذكر الله -جل وعلا- ذلك في سورة القيامة: أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى فالله -جل وعلا- ما تركه سدى، وإنما بين له الطريقين: طريق الخير، وطريق الشر.
ثم قال -جل وعلا-: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ أي هذا الإنسان لم يقتحم العقبة، والاقتحام: هو الدخول في الشيء بشدة وعنف، والعقبة هي الطريق الوعر في الجبل، فقوله -جل وعلا-: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ قال بعض العلماء: هذه العقبة عقبة حقيقية في الآخرة، وهي في النار، ولا يمكن له أن يتجاوزها يوم القيامة إلا بالعمل الصالح، الذي يأتي ذكره بعد ذلك، وبعضهم فسرها بأنها عقبة، وأنها جبل في النار، كل يصعده بحسب عمله، والكافر لا يستطيع أن يصعد هذا الجبل، أو هذه العقبة؛ لأنه ليس له عمل.
والمؤمنون تتفاوت أعمالهم، كما أن الناس يتفاوتون في صعود العقبة التي تكون في الدنيا، بحسب ما أوتوا من القوة، فكذلك بحسب ما كان لهم من العمل الصالح، فإن هذه العقبة التي تكون في الآخرة، تكون قدرتهم عليها بحسب ما هم عليه من العمل الصالح.
وذكر بعض المفسرين، وهو الذي عليه الأكثر، أن هذا مثال ذكره الله -جل وعلا- مثال لمجاهدة الإنسان لنفسه والشيطان والهوى في أعمال البر، فإذا غلب نفسه، وهواه والشيطان بالعمل الصالح، وأداه على وجهه...+ طيب قوله: فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ بعض العلماء يقول: إنها على جهة المثال كأن الله -جل وعلا- ذكر عن الكافر، ذكر الله -جل وعلا- أن الشيطان والنفس الأمارة بالسوء والهوى هذه عقبة، إذا عمل الإنسان عملًا صالحًا، وأتى بأعمال البر اقتحم هذه العقبة، وإلا لم يقتحمها، وهذا هو الذي عليه أكثر أهل التفسير؛ لأن الله -جل وعلا- بين ذلك بعد، قال الله -جل وعلا-: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ يعني: أن هذه العقبة، أو أن اقتحام العقبة يحصل بإعتاق الرقيق، وهذا من عمل البر.
أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ أي: يطعم في يوم شديد الجوع، يطعم فيه يتيمًا ذا مقربة، يعني: يتيمًا له به قرابة، أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ أي: مسكينًا شديد الجوع ليس عنده شيء؛ لأنه كالذي لصق بالتراب من شدة الجوع، وهذا هو اقتحام العقبة الذي ذكره الله -جل وعلا- في هذا.
وفي هذا دلالة على أن أعمال الخير التي يعملها الإنسان، هي التي يحصل بها اقتحام العقبة، سواء كانت عقبة حقيقية في الآخرة، أو كانت مثالًا في الدنيا.
ومن هذه الآية استنبط بعض العلماء: أنه ينبغي للإنسان أن يراعي الأقرب في النفقة قبل الأبعد؛ لأن الله -جل وعلا-: قال: يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ فهذا في القريب، ثم قال: أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ وهذا في البعيد.
وهذا مراعاة الأقرب، وهو الذي دلت عليه النصوص الشرعية الثابتة عن النبي، صلى الله عليه وسلم.
ثم قال -جل وعلا-: ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ يعني: أنه ما اقتحم العقبة، إن هذا الإنسان ما اقتحم العقبة، ولا كان من الذين آمنوا، وتواصوا بالصبر، وتواصوا بالمرحمة، فهذا الإنسان قد تخلى عن الإيمان، وتخلى عن التواصي كما أنه لم يقتحم العقبة بفعل البر، فاجتمعت فيه هذه الصفات، أما لو أنه اقتحم العقبة، وآمن بالله -جل وعلا- وتواصى بالصبر مع إخوانه، بمعنى أن المسلم يوصي أخاه المسلم بالصبر على طاعة الله، والصبر على أقدار الله، والصبر عن معاصي الله، وتواصى مع إخوانه بالمرحمة، أي: وصى بعضهم بعضًا بأن يتراحموا فيما بينهم، لو كان كذلك لكان من أصحاب الميمنة؛ لأن هذه الصفات من صفات أصحاب الميمنة؛ قال -تعالى-: أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ .
يعني: الذين اقتحموا العقبة بعمل البر، وآمنوا بالله - جل وعلا- وتواصوا بالصبر، وتواصوا بالمرحمة، هم الذين يصيرون يوم القيامة أصحاب الميمنة، وينجون من عذاب الله، ويفوزون برضاه، والميمنة هذه يعني: يكون من أصحاب الميمنة يوم القيامة، الذين ذكرهم الله -جل وعلا- في سورة الواقعة: فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ يعني: وما أدراك ما أصحاب الميمنة وما شأنهم، ثم بين مصيرهم -جل وعلا- بعد ذلك في قوله: وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ إلى آخر الآيات.
وهنا استشكال استشكاله بعض العلماء، وهو أن الله -جل وعلا- قال: ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا والإيمان مقدم على العمل، فلا يقبل من أحد عمل إلا بإيمان، وهنا قدم الأعمال قدم فك الرقبة، وقدم الإطعام على الإيمان، ثم جاء بالإيمان، وجاء به بصيغة التراخي ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا .
وقد أجاب العلماء عن هذا بأن هذا من باب الترتيب الذكري، يعني: ثم اذكر يا محمد أنه كان من الذين آمنوا، وبعضهم يقول: إن الله -جل وعلا- جاء بثم الدالة على التراخي؛ ليبين التباعد الكبير بين فك الرقبة والإطعام مقارنة بالإيمان؛ لأن الإيمان هو الأصل، وهناك مسافة كبيرة بين الإيمان وبين الإطعام؛ لأن الإيمان بالله ينبني عليه غيره؛ لأن الإنسان لو ترك الإطعام وفك الرقاب، فهذا لا ينتقض إيمانه، أما لو أطعم وفك الرقاب، وهو ليس بمؤمن فلا يقبل منه.
ومن هذه الآية استنبط العلماء شرطًا من شروط العمل الصالح، وهو الإيمان: شرط من شروط قبول العمل، وهو الإيمان؛ لأن الله -جل وعلا- قال: ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا فقال بعض العلماء: هذا يدل على أنه لا بد أن يكون العمل مبنيًا على عقيدة صحيحة، وهو أول شروط قبول العمل، أن يكون مبنيًا على عقيدة صحيحة، وهذا قرره الله -جل وعلا- في مواضع من كتابه: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فدل على أن الكافر لو عمل صالحًا لا يقبل منه.
وقال -جل وعلا-: وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا وقال -جل وعلا-: مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ فجعل الله -جل وعلا- الإيمان شرطًا لقبول العمل.
ثم الشرط الثاني الذي يليه: إخلاص العمل لله؛ لأن الإيمان بالله أعم من إخلاص العمل لله؛ لأن الإنسان قد يكون ذا عقيدة صحيحة، ولكن يقع منه عمل لم يخلص فيه لله -جل وعلا- فلا بد أن يكون مخلصًا لله، كما قال الله -تعالى-: قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ .
والشرط الثالث: أن يكون متابعًا للنبي -صلى الله عليه وسلم- لأنه لا طريق إلى الله إلا عن طريق النبي -صلى الله عليه وسلم-: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ .
فهذه شروط قبول العمل الثلاثة، والآية اشتملت على أحدها، وهو الإيمان بالله -جل وعلا- كما استدل العلماء بهذه الآية على أن رحمة المؤمنين، وتوصية المؤمن بما ينفعه سواء في أمر دينه، أو دنياه هذه من أسباب الفوز برضا الله -جل وعلا- لأن الله -جل وعلا- قال: وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ .
ولهذا لمَّا بين -جل وعلا- أوصاف الذين ينجون من الخسارة يوم القيامة، ذكر -جل وعلا- أنهم يتواصون بالصبر: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ .
وبين -جل وعلا- في صفة أوليائه أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- الذين أوجب لهم جنته، ذكر أن بعضهم يرحم بعضًا كما قال -تعالى-: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ولهذا كان من آثار هذه الرحمة فيما بينهم: أن يكون بعضهم ذليلًا لبعض، كما قال الله -جل وعلا-: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ .
ثم قال -جل وعلا-: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ يعني: الذين كفروا بآيات الله وجحدوها وأعرضوا عنها، وعما جاءت به الرسل، هم أصحاب المشأمة يعني: الذين حصل لهم الشؤم، وهذا الشؤم هو الخسارة والعذاب الأليم في الدار الآخرة، وهذا الشؤم جاء نتيجة كفرهم بالله -جل وعلا- وعصيانهم لأنبياء الله ورسوله.
ثم قال -جل وعلا-: عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ فقوله: "مؤصدة" يعني: أن النار يوم القيامة تطبق عليهم، وتغلق، فلا يستطيعون الخروج منها؛ لأنهم خالدون مخلَّدون في النار، كما تقدم بيان ذلك عند قوله -جل وعلا-: لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا .

































سورة الفجر


أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسرِ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه سيدنا محمد وأهله وصحبه أجمعين.
هذه سورة الفجر، أقسم الله -جل وعلا- فيها بالفجر، وهو الصبح كما قال الله -جل وعلا- في آية أخرى: وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ وقوله -جل وعلا-: وَلَيَالٍ عَشْرٍ جمهور أهل التفسير أجمع على أن المراد بها ليالي الأيام العشر من ذي الحجة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله -تعالى- من هذه الأيام وفي الفجر عرَّفه الله -جل وعلا- بالألف واللام، وأما الليالي العشر، فنكرها رب العالمين؛ قد ذكر بعض العلماء أن الله -جل وعلا- عرف الفجر؛ لأن كلا يدركه لوضوحه وظهوره، وأما الليالي العشر، فنكرها الله -جل وعلا-؛ لأنه لا سبيل إلى معرفتها إلا عن طريق الشرع.
ثم قال -جل وعلا-: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ الشفع والوتر: اختلف العلماء في بيانهما حتى بلغت أقوالهم قريبا لستة وثلاثين قولا، لكن هذه الأقوال يجمعها أمران، أو هذه الأقوال ترد إلى أمرين: أحدهما أن المراد بالشفع المخلوقات والمأمورات على اختلاف بين العلماء في تحديد هذه المخلوقات، أو هذه المأمورات، فمنهم مَن يقول: الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة، ومنهم من يقول: الوتر عرفة المكان، والشفع مِنَى ومزدلفة، إلى غيرها من الأقوال التي تعود إلى المخلوقات والمأمورات. والثاني: أن المراد بالشفع المخلوقون، وبالوتر: الخالق رب العالمين؛ لأن الله -جل وعلا- قال: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ فالمخلوقات كل واحد منها له زوجان، والشفع هو الزوج، فدل ذلك على أن المراد المخلوقات، وأما الوتر، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة وهو وتر يحب الوتر .
ولكن، أو قبل ذلك ورد حديثٌ، حديثُ جابر -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- فسر الليالي العشر بليالي ذي الحجة، وأن الشفع هو يوم النحر، وأن الوتر هو يوم عرفة، وهذا الحديث استنكر الحافظ ابن كثير رفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد أورده الحافظ ابن حجر في الفتح، وسكت عليه، وهذا الحديث الذي يظهر كرجاله لا بأس بهم، كما قال ابن كثير، أما أن أحد رجاله يظهر أنه لا يحتمل أن يروي مثل هذا الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في تفسير هذه السورة، أو في تفسير هذه الآيات لا سيما مع اختلاف أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- في بيانها.
فلو كان عندهم شيء من هذا المرفوع لم يخف على جملة أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وليس خفاؤه هو الذي يمنع من تصحيح الحديث، ولكن أحد رجاله ليس من الثقاة المعروفين الكبار، ومثل تفرده هذا يحتاج إلى نظر؛ ولهذا الحافظ ابن كثير استنكر رفعه إلى النبي، صلى الله عليه وسلم.
وعليه فما اختاره الإمام ابن جرير -رحمه الله- من أن المراد بالشفع والوتر في هذه الآية ما يصح أن يطلق عليه ذلك في لغة العرب، ولغة العرب تطلق الشفع على الزوج، يعني: على الشيء المزدوج، وتطلق الوتر على الشيء الواحد، فالذي له زوج، أو مقارن هذا هو الشفع، والذي ليس له، هذا هو الوتر، والله -تعالى- أعلم.
ثم قال -جل وعلا-: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسرِ يعني: والليل إذا يمضي، وهذا كقول الله -جل وعلا-: وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ثم قال -جل وعلا-: هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ .
بعض العلماء يقول: إن هذا جواب القسم، ولكن هذا قول ضعفه العلماء، واختلفوا في جواب القسم هاهنا، والذي اختاره الحافظ ابن القيم -رحمه الله- أن الله -جل وعلا- أراد هنا ما أقسم به لا ما أقسم عليه؛ لأن الله -جل وعلا- أراد لفت انتباه الناس وبيان عظمة خلقه في هذه الأشياء التي أقسم بها؛ ولهذا لم يأت بالمقسم عليه؛ لأن القسم -أحيانا- يراد به المقسم عليه، وأحيانا يراد القسم فقط فالله -جل وعلا- في هذه الآيات… استظهر الحافظ ابن القيم أنه إنما أراد المقسم به، وهو الفجر والليالي العشر، والشفع والوتر، والليل إذا يسر؛ ولهذا حذف جواب القسم.
وقوله -جل وعلا-: هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ الحجر هو العقل سمي بذلك؛ لأنه يمنع الإنسان عما لا يليق به، ومعنى هذه الآية هل في ما ذكر من الفجر، وما بعده قسم كاف يستغني به ذوو العقول؟ وجوابه: نعم، في هذا كفاية وعبرة؛ لأن هذا المقسم به، وهو هذه المخلوقات آيات عظام من آيات الله، جل وعلا.
ثم قال -جل وعلا-: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ هذا فيه بيان لما أحله الله -جل وعلا- لقوم عاد، وقد قال الله -جل وعلا- في هذه الآية: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ فإرم هذا بيان لعاد، وعاد إرم هذه هي عاد الأولى، التي قال الله -جل وعلا-: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى فعاد الأولى، وهناك عاد الأخرى، أو عاد الثانية، وعاد الثانية هذه بعد بناء الكعبة، وأما عاد الأولى فهم قوم هود، وهود بعث بعد نبي الله -جل وعلا- نوح، بعد إغراق قوم نوح بالطوفان، بعث الله -جل وعلا- هودا -عليه السلام- إلى عاد، وعاد هذه قبيلة جدهم عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، هذه القبيلة تنسب إلى عاد، وكانت مساكنهم ممتدة في جبال الرمال من حضرموت إلى عُمَان وما حولها، وقد جعل الله -جل وعلا- فيهم من القوة في أجسادهم، ومن الحذق في صناعاتهم، ومن الخيرات في بلادهم ما كانوا به في زروعهم أخصب الناس في زمانهم، وديارهم تسمى الأحقاف كما قال -جل وعلا-: وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ .
وبين الله -جل وعلا- ما هم عليه من القوة في قوله -سبحانه-: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وقال -جل وعلا- حكاية عن هود -عليه السلام- أنه قال لهم: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ بكل ريع، يعني: بكل مكان مرتفع، يبنون آية، يعني: يبنون بنيانا شاهقا وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ المصانع: هذه أمكنة تبنى تجمع فيها المياه، وكانت معروفة في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ وهذا من قوتهم فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ .
فهذه حالهم لما بعث الله - جل وعلا - إليهم نبيه هودا -عليه السلام- بعث الله -جل وعلا- لهم هودا يدعوهم إلى توحيد الله -جل وعلا-، وإلى عبادته كما أخبر الله -تعالى- في مواضع كثيرة من كتابه كما قال -تعالى-: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ وقال -جل وعلا- في آية هود: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ .
فكذبوا هودا -عليه السلام- وأنكروا ألوهية الله -جل وعلا- واستهزءوا بهود -عليه السلام- واستبعدوا أن يحل بهم عذاب الله -جل وعلا- كما أخبر الله -جل وعلا- عنهم في قوله: كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ وفي قوله -جل وعلا-: قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ وفي قوله -تعالى- قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ وفي قوله -تعالى-: قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ فلما كذبوه، وعصوه أنزل الله -جل وعلا- عليهم عذابه وبطشه.
أرسل الله -جل وعلا- عليهم ريحا باردة تتابعت عليهم سبع ليال وثمانية أيام، حتى أصبحوا كأنهم أعجاز نخل خاوية، أي: كأنهم جذوع نخل ليس عليها رءوسها؛ لأن المفسرين ذكروا أن الله -جل وعلا- لما أرسل عليهم هذه الريح الشديدة الباردة، صارت تحمل الرجل منهم، فتلقيه على رأسه حتى ينشدخ رأسه، قال الله -جل وعلا-: وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ وقال -جل وعلا-: فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ .
وقال -جل وعلا- مبينا مردهم في الآخرة: وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ .
وأما ثمود فهم قوم صالح كانوا يسكنون بوادي القرى، وهو مكان بين تبوك والحجاز، وهذا الوادي سُمِّي وادي القرى؛ لأن الوادي كان متصلا بالقرى، القرية بجانب أختها، وكانت ثمود تسكن هذا الوادي، وثمود هذا هو ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح، أرسل الله -جل وعلا- إلى قومه نبيه صالح -عليه السلام- وقومه قوم صالح -عليه السلام- الذين هم ثمود، ذكر الله -جل وعلا- أوصافهم في قوله -سبحانه وتعالى-: أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ يعني: يشقون الجبال بحذق، وفي قوله -جل وعلا-: وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فكانوا ينحتون هذه الجبال، ويجعلونها بيوتا كما أنهم كانوا ينشئون لهم قصورا في تلك السهول، وهي الأودية، ونحتهم لهذه الجبال يدل على قوتهم وعظم ما هم فيه من الحرفة والصناعة، ومع ذلك كانوا يعيشون آمنين، كما قال -تعالى- في الآية الأخرى: يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ يعني: ليس عندهم خوف.
فلما كانوا كذلك، وكانوا مشركين بالله -جل وعلا- بعث الله -جل وعلا- إليهم نبيه صالح -عليه السلام- بعد هود، يدعوهم إلى توحيد الله -تعالى- كما قال الله -جل وعلا-: وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ولكن هم كفروا به، وبما بعث به وكفروا بألوهية الله -جل وعلا- وسخروا من صالح ومن آمن معه كما أخبر الله -جل وعلا- عنهم في مواضع:
كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ وقال -جل وعلا-: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ كذبوا نبي الله -جل وعلا- صالحا -عليه السلام- فلما كان يدعوهم، وجاء في ناديهم سألوه أن يخرج لهم آية.
فذكر المفسرون أنه -عليه السلام- لما طلبوا منه الآية، وهي أن يخرج لهم ناقة من هذه الصخرة، صلى لله -جل وعلا- ثم دعاه فخرجت ناقة على الوصف الذي أرادوا من هذه الصخرة، ولكنهم، أو كثيرا منهم كفر، وقليل من آمن؛ ولهذا قال الله -جل وعلا- في شأنهم: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى لأن هذه آية ومعجزة باهرة عظيمة، ومع ذلك عرفوا الحق، فأعرضوا عنه.
فلما خرجت هذه الناقة أمرهم صالح -عليه السلام- أن يتركوها ترعى، واتفق معهم على أن تشرب من البئر يوما، وهم يشربون يوما، فلما مضت الأيام والأوقات ضاقوا بهذه الناقة ذرعا، فقتلوها وقتلها زعيمهم وشريفهم كما ثبت ذلك في الصحيح، قد قال المؤرخون: إن الذي قتلها قدار بن سالف، قتل هذه الناقة، فلما قتلها أخرهم صالح العذاب ثلاثة أيام، ووعدهم بالعذاب أنه ينزل عليهم بعد ثلاثة أيام، فلما توعدهم بالعذاب اجتمعوا على قتله -عليه السلام- اجتمع تسعة منهم على قتله، فأرادوا قتله كما أخبر الله -جل وعلا- عنهم: وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ فأخذهم الله -جل وعلا- قبل أن يقتلوا نبيه صالح، عليه السلام.
وفي هذا قال -تعالى-: وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ فلما عاجلهم العذاب، وقتلوا هؤلاء التسعة أيقن قوم صالح أنهم مهلكون، وأن ما وعدهم به سيحل عليهم.
ذكر المؤرخون والمفسرون أن أول يوم من هذه الأيام الثلاثة كان يوم الخميس، فاصفرت وجوههم، ثم لما جاء اليوم الثاني، وهو يوم الجمعة احمرت وجوههم، فلما جاء اليوم الثالث، وهو يوم السبت اسودت وجوههم، فلما جاء الصبح من يوم الأحد جاءهم وعد الله -جل وعلا- الذي وعده على لسان صالح الذي قال لهم: تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ .
فأخذهم العذاب مصبحين، لما جاء الصبح صاحت الصيحة من السماء، ورجفت الأرض، فأهلكهم الله -جل وعلا- قال الله -جل وعلا-: فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ هذا إهلاك الله -جل وعلا- لثمود.
يعذب الناس بها بمعنى أنه كان يمدهم على هذه الأوتاد، ويسومهم سوء العذاب، وعلى كلٍ، هذه صفة ذم له: لفرعون، أو أن هذه صفة تكشف حقيقته وحاله، ثم قال -جل وعلا- في وصف الجميع: الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ يعني: أن ثمود الذين جابوا الصخر بالواد: قطعوا الصخر بالواد، أو عاد، أو فرعون هؤلاء كلهم طغوا في البلاد فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ يعني نشروا الفساد، سواء في أنفسهم، أو في غيرهم، فأصبح هذا الفساد منتشرًا ظاهرًا.
قال الله -جل وعلا-: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ يعني: أن الله -جل وعلا- أنزل عليهم عذابًا من عنده، فعذبهم به في الدنيا قبل الآخرة، وقوله -جل وعلا- في هذه الآية: سَوْطَ عَذَابٍ قال بعض العلماء: إن الله -جل وعلا- هاهنا قال: سَوْطَ عَذَابٍ ليبين أن عذابهم الذي عذبهم به في الدنيا مع شدته، فإنه كالسوط بالنسبة لعذاب الآخرة، وقال بعض العلماء: إن قوله هاهنا: سَوْطَ عَذَابٍ أن الله -جل وعلا- أخذهم بعذاب شديد؛ لأن الإنسان إذا أراد أن يعذب أحدًا في الدنيا، فأعلى ما يعذبه به: بضربه بالسياط؛ لأن بالسيف يقتله، ولكن إذا أراد العذاب المؤلم، فإنه يكون بالسياط.
ولهذا النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في الخوارج: لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد قال بعض العلماء: إن قوله -صلى الله عليه وسلم-: لأقتلنهم قتل عاد يعني: قتلًا شديدًا، فهو يفسر قوله -جل وعلا-: سَوْطَ عَذَابٍ وقال بعضهم: إن المراد بقوله -عليه الصلاة والسلام-: لأقتلنهم قتل عاد أي: لأقتلنهم قتلًا آتي فيه على جميعهم لا أترك منهم أحدًا، كما أن الله -جل وعلا- لم يترك من عاد أحدًا.
ثم قال -جل وعلا-: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ قال ابن عباس -رضي الله عنه- يعني: يسمع، ويرى.
والمراد أن الله -جل وعلا- مطَّلع عليهم، يطلع على الخلق، ويعلم ما يقولون، ويبصر ما يفعلون، فهو -جل وعلا- راصدٌ لحركاتهم وسكناتهم، وأقوالهم، وأفعالهم، ويرصدهم -جل وعلا- حال إسرارهم وحال علانيتهم.
وهذه الآيات التي تقدمت، فيها تخويف لمن يعصي الله -جل وعلا- لأن المعصية تورث نقمة الله -جل وعلا- وقد يعاجل العبد بالعقوبة في الدنيا كما أن هذه الآيات فيها طمأنة للمؤمنين بأن أعداء الله -جل وعلا- مهما طغوا وبغوا، فإن الله -تعالى- لهم بالمرصاد، وأنهم مهما ملكوا من القوات فالله -جل وعلا- أقوى منهم.
قوم عاد كانوا على قوة عظيمة حتى افتخروا بها مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً وهؤلاء المذكرون من ثمود وفرعون وعاد كان لهم مال ورياسة وجاه وسلطان، ولكن ذلك لم يغن عنهم من عذاب الله -تعالى- شيئًا؛ لأن الله -جل وعلا- على كل شيء قدير.
ثم إن هذه الآيات فيها لفت لانتباه العباد؛ لئلا يغتروا بما أُتوا، فالعبد مهما أوتيَ من شيء، فهو ضعيف، ومهما صنع فهو ضعيف، ومهما اخترع فهو ضعيف، وهذا كله يدل على أن المؤمن إذا كان عنده شيء من المخترعات، أو رأى هذه الاختراعات ألا يغتر بها، وألا يطغى بها، وألا تقوده هذه المخترعات، وهذه القوى إلى معصية الله -جل وعلا- وألا يهاب من أعداء الله؛ لأنهم يمتلكون هذه المخترعات، والإنسان الذي يرى هذه المخترعات في هذا العصر قد يغتر بها، يظن أن أهلها على حق، أو أنهم منصورون أبدًا، أو أنهم لا غالب لهم، وكل هذا خطأ، فهذه الوسائل سواء كانت وسائل عسكرية، أو ترفيهية، أو حاجية، أو وسائل مواصلات، أو غيرها من الوسائل لا بد للمسلم أن يعرف موقفه منها؛ حتى لا يغتر بها؛ وحتى يتعامل معها على وفق شرع الله جل وعلا.
فالمؤمن إذا نظر إلى هذه المخترعات لا تزيده إلا إيمانًا بالله -تعالى- وحده؛ لأن الله -جل وعلا- أخبرنا بوجود هذه المخترعات قبل أن توجد، فقد أنزل على نبيه -صلى الله عليه وسلم- وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ثم إن هذه المخترعات تزيدنا إيمانًا بالله -جل وعلا- لأن نظر المؤمن ليس قاصرًا على المخترع، لكن يفكر في العقل الذي اخترع هذا، فإذا فكر في العقل بعد ذلك ينظر إلى خالق هذا العقل، فلولا الله -جل وعلا- ما استطاع العقل أن يخلق هذه الأشياء، إذا هذه مردها إلى الله -جل وعلا-: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ثم إن المؤمن إذا رأى مثل هذه المخترعات يقارنها بخلق الله -جل وعلا- الذي صنعه الله -جل وعلا- إذا بهرته هذه الدقة في بعض الأنظمة، فلينظر إلى الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار تمشي بدقة متناهية، وإذا رأى هذا البنيان الشاهق، فلينظر إلى الجبال، وإذا رأى الطائرات، فلينظر إلى الطيور أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ثم إن المؤمن يأخذ من هذه المخترعات ما أباحه الله -جل وعلا- منها، لا يغالي فيها ولا يفرط، بل يأخذ منها بقدر حاجته مما أباحه الله؛ لأن الله -جل وعلا- قال: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ .
ثم إن هذه الوسائل ينبغي أن تستغل في نفع المسلمين وفي الدعوة إلى الإسلام، فوسائل المواصلات الآن والاتصالات، قد يستعملها بعض المسلمين فيما يضر المسلمين، أو فيما لا يعود عليهم بالنفع، وهذا غلط، فالمفترض في مثل هذه الأشياء أن تستغل في الدعوة إلى الله، ونشر الإسلام.
الآن بعض الناس يشغل نفسه في الحاسب، ويذكر عادات بلده، أو عادات قومه، أو يذكر بعض الفكاهات وغيرها مما تضر ولا تنفع، أو على الأقل لا تنفع مع أن المسلمين بحاجة إلى مثل هذه الأشياء؛ لدعوة غيرهم إلى الله -جل وعلا- ثم إن هذه المخترعات ينبغي، أو يجب ألا تحدث في قلب المسلم خضوعًا للكفار، ولا اعتقادًا لعزتهم ولا ذلا لهم، بل هذه الأشياء لا تزيد المؤمن إلا إيمانًا بالله، وعزة بدين الإسلام، وليعلم أن الله -جل وعلا- ناصر دينه كما قال -تعالى- وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وقال -تعالى-: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ .
فالله -جل وعلا- أمرنا بأن نعد قوة، ولو كانت هذه القوة يسيرة، لكن قوة لا نستطيل+ عليها، وبعد ذلك لسنا مكلفين أن يكون عندنا ما عند غيرنا، ولكن علينا أن نعد، وأن نجتهد في العدة، فإذا فعلنا ذلك نصرنا الله -جل وعلا- وعدًا منه، والله -جل وعلا- لا يخلف الميعاد.
الشاهد أن مثل هذه المخترعات، وهذه القوى ينبغي للمسلم أن يعتبر بأحوال الأمم السابقة، وما كانوا عليه من القوة، وقد أهلكهم الله -جل وعلا- مع قوَّتهم، ونصر عليهم المؤمنين مع ضعفهم إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ كما أن هذه الآيات فيها بيان لشؤم المعصية، المعصية لها شؤم: تحدث الفساد في البر وفي البحر وفي الأنفس، تحدث الضيق في النفس تحدث على العبد تنغيصًا في معاشه قبل معاده؛ ولهذا قال الله -جل وعلا-: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ .
ثم قال الله -جل وعلا -: فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي هذه طبيعة الإنسان، إذا جاءه خير قال: هذا من إكرام الله لي، وإذا قدر عليه رزقه وضيق عليه فيه، قال: إن الله أهانني، ولكن يستثنى من ذلك المؤمنون؛ لأن المؤمن يعلم أن الإكرام والتضييق بالرزق ليس دليلًا على محبة الله، كما أنه ليس دليلًا على غضب الله، فقد يُنعم الله -جل وعلا- على العبد، وهو يبغضه، ولكن يصنع ذلك به استدراجا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ وقد يضيق عليه رزقه، وهو يحبه -جل وعلا- نبينا -صلى الله عليه وسلم-: مات ودرعه مرهونة في صاع شعير وهو أحب الخلق، وأكرمهم على الله -جل وعلا- ولهذا كان من صفة الكفار أنهم إذا أعطوا شيئًا زعموا أن ذلك دليل على رضا الله عنهم، كما قال -تعالى-: أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ وقال -تعالى-: وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى وقال -جل وعلا-: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ .
وقال -جل وعلا- في شأن صاحب الجنة: وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا لأنه يزعم أن الله -جل وعلا- لما أعطاه، فإنه قد رضي عنه، وهذا فهم خاطئ، لا ينبغي للمسلم أن يعتقده، بل المسلم يعتقد أن تضييق الله -تعالى- عليه في رزقه، أو توسيع الله -تعالى- عليه رزقه، إنما هو ابتلاء وامتحان؛ لينظر -جل وعلا- كيف يعمل عبده أيشكر أم يكفر؟ كما قال الله -جل وعلا- عن نبيه سليمان أنه قال: لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ والله -جل وعلا- يقول: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ فهذه الهبات، أو العطايا لا تدل على الرضا كما أنها لا تدل على المحبة؛ ولهذا لا ينبغي للمسلم إذا منحه الله -جل وعلا- شيئًا أن يظن أن ذلك من رضا الله عليه، كما لا ينبغي له إذا لحقته مصائب أن يظن أن ذلك -قطعًا- من سخط الله عليه، ولكن عليه أن يفتش عن نفسه؛ لينظر هل أطاع ربه أم عصاه، فإذا فتش وعالج نفسه ما يقع بعد ذلك من سعة في الرزق، أو تقتير، فهذا لا ضرر على العبد فيه؛ لأن الشؤم إنما هو شؤم المعصية، وليس لسعة الرزق، أو ضيقها على العبد في أمر آخرته شيء؛ لأن الله -جل وعلا- يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولكنه -جل وعلا- لا يعطي الآخرة إلا من يحب.
ثم قال -جل وعلا-: كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ يعني أنهم لا يكرمون اليتيم، مع أن هذا اليتيم قد فقد أباه، وهو بحاجة إلى أن يرأف به، ويحني عليه، وهو من أولى الناس أن يُرحم؛ لأنه لا يجد عائلًا له، وهو قد فقد حنان الأبوة، فهو بحاجة إلى إكرام؛ ولهذا جاء في شرعنا المطهر فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ .
وحرم الله -جل وعلا- أن يعتدى على هذا اليتيم في ماله وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ويقول -جل وعلا-: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ولهذا كان الواجب على والي اليتيم أن يراعي هذا اليتيم في ماله، وألا يدفع إليه ماله إلا إذا بلغ الرشد، وأن يتجر في هذا المال، ولا يتركه حتى تأكله الصدقات، بل يجب عليه أن يرعى هذا المال، وأن يجتهد في رعايته وحفظه حتى يدفعه إليه بعد رشده.
وقوله -جل وعلا-: وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ أي لا يحض بعضكم بعضًا على طعام المسكين، ولا يحث بعضكم بعضًا غيره على إطعام المساكين، ولا تتآمرون بذلك، فدل ذلك أنه ينبغي للمسلم، أو ينبغي للمسلمين أن يتآمروا فيما بينهم لإطعام المساكين، فإذا رأى المسلم أخاه، ورأى مسكينًا فينبغي له أن يحثه، ويحضه على إطعامه؛ لأن الله -جل وعلا- ذم على ترك التحاض، ما ذم ترك الإطعام، ذم على ترك التحاض، فمن باب أولى أن يذم على ترك الإطعام.
ولهذا: لعظم شأن المسكين واليتيم جعل الله -جل وعلا- أو لعظم شأن المسكين جعل الله -جل وعلا- إطعامه من البر وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ إلى أن قال: وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ إلى آخر الآيات، ثم قال: أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ فدل على أن إطعام المسكين والقيام على اليتيم، هذا من البر ومن الصدق في الإيمان والتقوى.
ثم قال -جل وعلا-: وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا التراث: المراد به الميراث، وكان الكفار يأكلون ميراث المرأة والصغير، الصغير الذي لا يحمي الذمار، ولا يركب الخيل هذا يأكل وليه ورثه، أي: ميراثه، والمرأة يأكلون ميراثها، بل المرأة إذا توفيت، وهي ذات زوج، وتوفي زوجها، فإنها تورث من زوجها، هي ذاتها تكون موروثة كما أخبر الله -جل وعلا- عنهم ذلك في سورة النساء، وهذا الذي قاله الله -جل وعلا- هاهنا: وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا أي: تأكلون الميراث أكلًا شديدًا مشتملًا على جمع الميراث، وأخذه بتمامه، هذا بينه الله -جل وعلا- في سورة النساء: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ .
قال -جل وعلا-: وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا أي: أنهم يحبون المال حبًّا شديدًا، فهم يجمعون هذا المال ولا ينفقونه لا ينفقون على اليتيم ولا المسكين، ويجمعون المال، يجمعونه من حله ومن غير حله؛ لأنهم يغتصبون الميراث، وهذه الصفة -غالبًا- ما تكون في الإنسان إذا كان لا ينفق ما أوجب الله -تعالى- عليه، الغالب أنه يجمع المال جمعًا شديدًا، وكثيرًا ما يخالطه ما حرم الله -جل وعلا- عليه.
أما المؤمن فلا، المؤمن يجمع مالًا ينتفع به في خاصة نفسه، وينفع غيره، ويؤدي منه حقوق الله -جل وعلا- قال الله -جل وعلا-: إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا قَبْلَ ذَلِكَ كَلَّا إِنَّهَا لَظَى يعني: النار نَزَّاعَةً لِلشَّوَى تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى وَجَمَعَ فَأَوْعَى إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ فاستثنى الله -جل وعلا- أهل الإيمان.



كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي

هذا إخبار من الله -جل وعلا- عن يوم القيامة، وأنه -جل وعلا- إذا قامت القيامة، فإنه يدك الأرض دكًّا، وتستوي الجبال يسوي الله الجبال -جل وعلا- ويدكها مع الأرض، وتكون أرضًا مستوية ملساء، ليس فيها ارتفاع ولا انخفاض ولا اعوجاج.

وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا أي: أن الله -جل وعلا- إذا كان يوم القيامة وحشر الخلائق في عُرصات القيامة، واشتد بهم الأمر، وبلغ منهم كل مبلغه، استشفعوا بالأنبياء؛ ليشفعوا لهم عند ربنا -جل وعلا- ليريحهم من هول الموقف، فيستشفع أولو العزم من الرسل، وآدم -عليه السلام- حتى تكون لنبينا -صلى الله عليه وسلم- فيقول: أنا لها، أنا لها، فيأتي ربه -جل وعلا- ويسجد تحت العرش، ويقال له: يا محمد، ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تُعطى، واشفع تُشفع فيشفعه الله -جل وعلا- في الخلائق، وذلك هو المقام المحمود الذي أعطيه النبي -صلى الله عليه وسلم- عند ربه -جل وعلا- فينزل الله، فيجيء الرب -جل وعلا- يوم القيامة لفصل القضاء بين الخلائق، والملائكة مصطفون صفوفًا لعظمة الرب -جل وعلا- كما قال الله -جل وعلا- هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ .
ثم قال -جل وعلا- وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يعني أن النار يوم القيامة تُقاد إلى الخلائق، وتبرز فيراها الخلق، يجرها سبعون ألف مَلَك، أو تُجر بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعين ألف مَلَك، وهذا لعظمها وكبرها، وهولها.
ثم قال -جل وعلا-: يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى يعني إذا بُرِّزت النار، ورآها العباد يتذكر الإنسان، قال بعض السلف: إن المراد بالإنسان عموم الإنسان، فالمؤمن العاصي يتمنى أنه لم يعص، والكافر يتمنى أنه لم يكفر، والذي عمل الصالحات يود أن لو يزداد، ولكن انقضى زمن العمل، وجاء وقت الجزاء، فالكافر إذا كان في ذلك اليوم، قد أخبر الله -جل وعلا- عنه كما قال: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَ .
وقال -جل وعلا- أن المفرط يقول يوم القيامة: يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وقال -جل وعلا- عنهم أنهم يقولون: يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ثم قال -جل وعلا- يقول: يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي يعني: يا ليتني عملت لمثل هذا الموقف؛ لأن الآخرة هي الحياة، وأما الدنيا فهي فانية، والحياة الباقية هي الآخرة كما قال الله -جل وعلا-: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ قال -جل وعلا-: فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ يعني: أن الله -جل وعلا- يوم القيامة لا أحد يعذب مثل عذابه أبدًا، لا أحد يستطيع أن يعذب عذابًا مثل عذاب الله، كما أنه لا يستطيع أحد أن يوثق أحدًا، ويشده بالسلاسل كما يوثق الله -جل وعلا- بل الله -جل وعلا- هو المتفرد.
ثم قال -جل وعلا-: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ النفس المطمئنة: هي الساكنة، التي اطمأنت بالإيمان، واطمأنت بذكر الله -جل وعلا- كما قال -تعالى- الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ هي نفس مؤمنة مطمئنة بالإيمان، اطمأنت بالله ربا، واطمأنت بمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيًا، واطمأنت إلى وعد الله، واطمأنت إلى قضائه وقدره، واطمأنت بجميع ما أمر الله -جل وعلا- بالإيمان به، فلما كانت هذه النفس مطمئنة يوم القيامة، كان مآلُها إلى جنات النعيم؛ لأنها اطمأنت بما وعد الله، فكان نصيبها أن طمأنها الله -جل وعلا- يوم الفزع الأكبر، والنفس نفس الإنسان لها ثلاث صفات: مطمئنة كما في الآية، وأمارة بالسوء كما في قول امرأة العزيز وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي .
فالأمّارة هي التي تحث صاحبها، وتسيره إلى المعاصي، ثم نفس ثالثة وهي التي أقسم الله بها لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ هذه النفس اللوامة، هي التي تلوم صاحبها يوم القيامة.
وقد فسرها بذلك حبر الأمة عبد الله بن عباس، هذه النفس يوم القيامة تلوم صاحبها، إن كان كافرًا على كفره، وإن كان عاصيًا على معصيته، وإن كان مؤمنًا قد عمل الصالحات ألا يكون قد ازداد، وهذا ظاهر من جمع الله -جل وعلا- بين القسم بيوم القيامة والقسم بالنفس اللوامة.
قال الله -جل وعلا- عن النفس المطمئنة يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً أي أن هذه النفس يوم القيامة لما اطمأنت في الدنيا بشرع الله ودينه، جاءت يوم القيامة راضية، ثم إن الله -جل وعلا- يجعلها مرضية؛ لأنها ترى نعم الله -جل وعلا- عليها في الآخرة؛ وذلك دليل على رضا الله -جل وعلا- عنها، فهذه النفس راضية ومرضية، قد رضي الله -تعالى- عنها، كما قال الله -جل وعلا-: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ .
قال الله -جل وعلا- فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي العباد، أو إضافة العباد هنا المراد بهم عباد الله الصالحون؛ لأن العباد منهم من يكون عبدًا لله من باب العبودية العامة، وهذه كل الخلائق عباد لله -جل وعلا- إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ولكن هناك عبودية خاصة، وهي عبودية المؤمنين، فهنا فَادْخُلِي فِي عِبَادِي يعني: تدخل في جملة عباده الصالحين، فيحشر الله -جل وعلا- هذه النفس معهم، كما قال الله -جل وعلا-: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ قال وَادْخُلِي جَنَّتِي يعني: أن الله -جل وعلا- يجعلها في زمرة الصالحين، ثم يدخلهم -جل وعلا- بفضله ورحمته جنته، وهذا النداء لهذه النفس، قال بعض العلماء: إنه عند الاحتضار، وقال بعض العلماء: إنه يوم القيامة، وهذا من أمور الغيب التي لم نطلع عليها، فيحتمل هذا، ويحتمل هذا. والله على كل شيء قدير، والله أعلم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد

رد باقتباس
  #8  
قديم 10-15-2009, 08:19 AM
+
ahmed zoma ahmed zoma غير متصل
مشرف اقسام الاغانى و الافلام



 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الإقامة: Assuit
المشاركات: 21,196
61 رد: تفسير القران الكريم كاملا ( ارجوا التثبيت)

سورة الغاشية

هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ

هذه سورة الغاشية أورد الحافظ ابن كثير في مستهلها: أن جارية كانت تقرأ هذه الآية، واستمع إليها النبي -صلى الله عليه وسلم- ولما قرأت: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ قال: قد جاءني من ربي


ولكن هذا حديث ضعيف قد تقدم أن قوله -جل وعلا- مثل هذه الآية: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ وغيرها، إن كان الله -جل وعلا-… أو تحتمل هذه الآية أن يكون معناها: قد جاءك، أو قد أتاك، وهذا عليه جمع من المفسرين، وأهل اللغة، وهذا يصلح فيما ثبت.
الله -جل وعلا- أنزله على نبيه -صلى الله عليه وسلم- وأنزل خبره قبل ذلك، وأما ما لم يثبت، فهذه الآية تحتمل أن يكون قد جاء، ويحتمل أن يكون معناها استفهام، المقصود به لفت الانتباه إلى هذه الآيات.

قوله -جل وعلا-: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ أي: هل أتاك خبر الغاشية؟ والغاشية اسم من أسماء يوم القيامة، لأن يوم القيامة -لعظمة وشدة هوله- سماه الله -جل وعلا- بأسماء، وقد تقدم أن الشيء إذا كان معظما، فإنها تكثر أسماؤه؛ ولهذا الله -جل وعلا- لما كان جليلا معظما كانت له أسماء لا يحصيها العباد كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو علمته لأحد من خلقك إلى أن قال: أو استأثرت به في علم الغيب عندك فهناك أسماء لله -جل وعلا- لم يطلع عليها أحدا من خلقه، بل استأثر بعلمها، وفي الحديث: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة .
فالعبد يتأمل كتاب الله -جل وعلا- وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- يستطيع أن يحصي من أسماء الله -جل وعلا- تسعة وتسعين اسما، وما هذه الأسماء إلا دليلا على عظمة المسمى بها، وهو الله -جل وعلا-، ونبينا -صلى الله عليه وسلم- أيضا لما كان معظم كانت له أسماء كثيرة.
فالشيء المعظم كلما عظم كثرت أسماؤه، ويوم القيامة يوم عظيم؛ ولهذا كثرت أسماؤه، ثم قال -جل وعلا-: مبينا انقسام الناس يوم القيامة إلى فريقين: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ أي وجوه يوم القيامة ذليلة خاسرة، ترهقها قطرة، وعليها ذلة، وهي وجوه الكفار كما قال -تعالى-: وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ فوجوههم يوم القيامة ذليلة؛ لأن الله -جل وعلا- أذلهم بكفرهم.
عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ أي: أن أصحاب هذه الوجوه يوم القيامة يعذبهم الله -جل وعلا- في نار جهنم بالعمل الشاق، ويتعبون في ذلك اليوم تعبا عظيما، كما قال -جل وعلا- سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا وقال -جل وعلا-: وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا ذكر بعض العلماء أن "صعودا" هذا اسم لجبل في النار يكلف الكافر يوم القيامة أن يصعده، وما يستطيع صعوده، والشاهد أنه الذي دلت عليه آية المدثر وآية الجن، أنه يوم القيامة يكلف بالأعمال الشاقة.
وهذه الآيات قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ الصحيح أنها تكون يوم القيامة، وما جاء عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في قصة الراهب الذي ناداه عمر من صومعته، فأشرف على عمر، فبكى عمر -رضي الله عنه- وتلا هذه الآية: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ على معنى أنها تعمل في الدنيا، وتخسر في الآخرة، هذا وإن كان معناه صحيحا، لكنه ليس مرادا بهذه الآية.
والأثر هذا الذي عن عمر -رضي الله عنه- لا يصح عنه، ولا يثبت.
فالصواب أن قوله -جل وعلا-: عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ يعني: يوم القيامة، الكافر في الدنيا يعمل، وليس له عند -جل وعلا- نصيب في الآخرة كما دلت عليه النصوص الأخرى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا في قوله -جل وعلا-: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا هذا صحيح، ولكن هذا ليس هو المراد بهذه الآية؛ لأن قوله -جل وعلا-: عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ أورده الله -جل وعلا- بعد ذكره لقيام الساعة وانقسام الناس إلى فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير؛ لأن قوله -جل وعلا-: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ ليس المراد بها في الدنيا، وإنما المراد بها في الآخرة قطعا، فاقتران هذين يدل على أن المراد به في الآخرة.
ثم إن الله -جل وعلا- في آيات أخرى بين هذا الانقسام في قوله -جل وعلا-: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ وفي قوله -جل وعلا-: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ وكل ذلك في الآخرة.
فدل على أن المراد بقوله -جل وعلا-: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ إنما هو في الآخرة، وقوله -جل وعلا-: تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً أي: تصلى نارا صفتها، أنها حامية، ولشدة حرارتها تكاد تتقطع كما قال الله -جل وعلا-: تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ فهي تغيظ، النار يوم القيامة يشتد غيظها، ويزداد سعيرها حتى تكاد أن تتقطع، ثم قال -جل وعلا-: تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ أي أن الكافر يوم القيامة يسقى من عين آنية، قد بلغت الغاية في شدة الحرارة.
وهذا الماء الذي يسقونه يوم القيامة بين الله -جل وعلا- في آيات أخرى، أنه من صديد كما قال - تعالى-: وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ .
وبين في آيات أخرى: أنه يقطع أمعاءهم وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ وبين -جل وعلا- في آيات أخرى أنه يشوي وجوههم، كما في آية الكهف يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا .
ثم قال -جل وعلا-: لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ الضريع: هو نوع من أنواع النباتات كان معروفا في الحجاز، ويسمى الشبرِق، هذا الشبرِق إذا يبس يسمى ضريعا، فلا تنتفع به الدواب بعد ذلك، ولا ينتفع به، وهكذا أعد الله -عز وجل- للكفار يوم القيامة، أعد الله -جل وعلا- طعاما لا ينتفعون به، كما قال -تعالى- بعد ذلك لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ لأن الطعام يؤكل من أجل أن يتقوى به الإنسان في جسده، ويؤكل من أجل سد الجوع، وأما هذا الطعام يوم القيامة، فإنه لا يسمن ولا يغني من جوع، فهو زيادة في عذابهم.
ثم قال -جل وعلا-: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ وهذه وجوه المؤمنين يوم القيامة ناعمة، هي معنى قوله -جل وعلا-: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ لما كان المؤمنون ينعمون في الآخرة، فإن هذا النعيم يظهر أثره على وجوههم، والكفار لما كانوا يعذبون في النار، وكان هذا الأثر يظهر على وجوههم عبر الله -جل وعلا- بالوجوه.
ثم قال -جل وعلا-: لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ يعني: أن هذه الوجوه لعملها الذي عملته في الدنيا راضية؛ لأن الله -جل وعلا- جازها عليه أحسن الجزاء.
ثم قال -جل وعلا-: فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ يعني: في جنة عالية في مكانها، وفي صفاتها، وما أعد الله -جل وعلا- لأهلها فيها من النعيم المقيم لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً يعني: أن المؤمنين الذين في الجنة، لا يسمعون كلمة لاغية، واللغو في الكلام هو الكلام الذي لا فائدة منه، بل لا يسمعون إلا كلاما حقا له فائدة.
وقد تقدم بيان ذلك عند قوله -جل وعلا-: لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا ثم قال -جل وعلا- فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ المراد بالعين هنا: الجنس فيشمل العيون الكثيرة؛ لأن الله -جل وعلا-: قال إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ فالعيون يوم القيامة كثيرة، وقوله -جل وعلا-: فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ أراد الله -جل وعلا- بها الجنس، فيعم جميع العيون التي أعدها الله -جل وعلا- في الجنة، وقد بين الله -جل وعلا- بعض هذه العيون، كما قال -تعالى-: إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا أي: أنهم يشربون الخمر ممزوجة بالكافور.
وهذا الكافور جعله الله -جل وعلا- عينا يقوده المؤمنون حيث شاءوا، فيميل معهم حيث مالوا يعني: أن هذه العيون تتبع المؤمنين، وهو معنى قوله -جل وعلا-: يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا وقال -جل وعلا- في الآية الأخرى: وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا وهذا نوع آخر يسقي الله فيها المؤمنين الخمر في الجنة، ممزوجة بالزنجبيل، وهذا الزنجبيل من عين في الجنة تسمى سلسبيلا.
ثم قال -جل وعلا-: فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ السرر: جمع سرير، والمعنى أن هذه السرر مرفوعة، وهم متكئون على هذه السرر، كما قال الله -جل وعلا-: عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ فقوله -جل وعلا-: مَوْضُونَةٍ قال بعض العلماء: أي أن الله -جل وعلا- شبك… جعل هذه السرر مشبكة بعضها ببعض، وهذا التشبيك من ذهب، ثم إن الله -جل وعلا- يجعل أهلها متكئين عليها متقابلين، لا يعطي أحد منهم قفاه للآخر، وذلك من فضل الله -جل وعلا- عليهم.
ثم قال -جل وعلا-: وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ الأكواب: جمع كوب، وهو عبارة عن الكأس الذي ليس له عروة، الذي له عروة… الإناء الذي له عروة يسمى قدحا، والقدح الذي ليس له عروة يسمى كوبا، وقوله -جل وعلا-: مَوْضُوعَةٌ يعني: أن الله -جل وعلا- يسر هؤلاء الخدم الذين يخدمون المؤمنين في الجنة، فيضعونها بين أيديهم يشربون منها متى ما اشتهوا لذلك.
ثم قال -جل وعلا-: وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ النمارق: جمع نمرقة، وهي الوسادة، فذكر الله -جل وعلا- أن هذه النمارق في الجنة تكون مصفوفة.
وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ والزرابي: هي البسط، يعني: أن الله -جل وعلا- بث في هذه الجنة بسطا كثيرة متفرقة في أنحائها، يتنعم بها عباد الله المؤمنون.
ثم قال -جل وعلا-: أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ لما ذكر الله -جل وعلا- قيام الساعة وما أعده للمؤمنين، وما أعده للكافرين لفت الله -جل وعلا- انتباه الكفار، واستفهمهم من أجل أن يلتفتوا إلى هذه الآيات التي جعلها الله -جل وعلا- في كونه؛ ليوحدوا الله -جل وعلا- ويوقنوا بلقائه وبالبعث والنشور.
قال -جل وعلا-: أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ والمراد بالنظر هنا ليس نظر الأعين؛ لأن الناس ينظرون، كل مبصر فإنه ينظر، بل ربما يكون الكافر -أحيانا- أقوى في بصره من المؤمن، ولكن الله -جل وعلا- يريد بذلك نظر البصيرة؛ لأن النظر قسمان: نظر بالعين، ونظر بالبصيرة، فنظر العين هذا ليس هو المراد بهذه الآية، وإنما المراد بهذه الآية أن ينظر العبد إلى المخلوقات نظرا يورثه الهداية، وهذا نظر البصيرة، وهو الذي أرشد الله -جل وعلا- العباد إليه، وأمرهم به، ونبه عليه في مواضع كثيرة، وجعله آية من آياته كما قال -جل وعلا-: أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وقال -جل وعلا-: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وقال -جل وعلا-: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ وقال -جل وعلا-: قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ .
فهذه الآيات التي جعلها الله -جل وعلا- ينتفع بها المؤمنون، وينظرون بها، ويستدلون بها على وحدانية الله وقدرته، وعلى بعث الخلائق إليه.
قال -جل وعلا-: أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ والإبل خلق من مخلوقات الله وبهيمة من بهائم الأنعام، وفيها من عجائب صنع الله وقدرته، شيء عظيم لو تأمله العبد، وأبصر به لعلم أن هذه الإبل لا تمشي في هذا الكون إلا بإذن الله -جل وعلا- وأن هذا الخلق من لدنه -جل وعلا- وهذه الإبل مع كبرها وقوتها إلا أن الله -جل وعلا- سخرها لبني آدم يمسكها الطفل الصغير، فتنقاد معه، ثم إن الله -جل وعلا- جعل فيها منافع عظيمة للعباد كثيرة، كما نبه -جل وعلا- على ذلك في مواضع كثيرة، ومن أعظمها أن الله -جل وعلا- جعلها لعباده تحمل أثقالهم في أسفارهم، كما قال -تعالى-: وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ؛ ولهذا كان العرب، أو بعض العرب في الجاهلية يسمي الإبل سفينة البر، كما أن السفينة المعتادة سفينة البحر، ولله -جل وعلا- فيما خلق آيات.
ثم قال -جل وعلا-: وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ أفلا ينظرون إلى السماء كيف رفعت؟! وهذه السماء رفعها -جل وعلا- بغير عمد نراها، كما قال -تعالى-: اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا فهذه آية وعبرة، والله -سبحانه وتعالى- هو الذي يمسكها، كما قال -تعالى -: وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ .
ثم قال -جل وعلا-: وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ أي إلى هذه الجبال كيف نصبها الله -جل وعلا- وجعلها ساكنة في نفسها، مسكنة لهذه الأرض، أوتادا لها، كما مر بيانه فيما سبق.
ثم قال -جل وعلا-: وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ أي ألا ينظر العباد إلى هذه الأرض كيف سطحها -جل وعلا- لينتفع بها العباد؟ وهذه السطحية للأرض لا تنافي أن تكون الأرض بيضاوية الشكل، أو أن تكون الأرض كرية الشكل؛ لأن كرية الأرض مما أجمع عليه العلماء قديما وحديثا، وأجمع عليه علماء المسلمين سابقا، ولكن الجِرم إذا كان كبيرا، فإنه يكون له سطح، فالإنسان… كلما صغرت الكرة كلما صغر سطحها، وكلما عظمت هذه الكرة، كلما توسع سطحها، وهذه الأرض هي كرية الشكل، أو بيضاوية الشكل، ولكنها لعظمها وكبرها صار ما عليها سطحا كسطح البيت، يسكن عليه العباد، وينتفعون به، وهذا آية عظيمة من آيات الله، جل وعلا.
ثم قال -جل وعلا-: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ هذا أمر من الله -جل وعلا- لنبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يذكر العباد، ثم بين -جل وعلا- وظيفته، وأنه - صلى الله عليه وسلم- مذكر، وليس بمسلط على العباد يكرههم، ويجبرهم على الإسلام، وهذا كان في بادئ الأمر، ثم نسخه الله -جل وعلا- بآيات السيف التي فيها الأمر بقتال المشركين.
وهذا عند طائفة من العلماء، وبعض العلماء يقول -وهو الأظهر-: إن قوله -جل وعلا-: لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ أي إنك يا محمد وظيفتك أن تبلغ الناس ما نزل عليهم من عند ربهم، أما هداية القلوب، فلست بمسلط عليها، وليست هداية القلوب بيدك كما قال -جل وعلا-: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وقال -جل وعلا-: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا .
ثم قال -جل وعلا-: إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ هذا استثناء منقطع، "إلا" فيه بمعنى لكن، أي: لكن من تولى وكفر، تولى وأعرض عما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- وكفر به، فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ والعذاب الأكبر هو عذاب النار يوم القيامة كما تقدم قبل قليل لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى سيصلى النار الكبرى.
ثم قال -جل وعلا-: إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ يعني: أن مرجع العباد ومردهم إليه -جل وعلا- وهو الذي يحسابهم، فمن عمل خيرا فلنفسه، ومن أساء فعليها، وفي هذا تخويف ووعيد للكافرين؛ لأن الله -جل وعلا- يتهددهم، ويخوفهم بمصيرهم إليه، وهذه الآية كما قال -جل وعلا-: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ .
والله -تعالى- أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.















سورة الاعلى



أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الله -جل وعلا-: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى في هذه الآية أمر الله -جل وعلا- رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن ينزهه عن كل نقص وعيب، وعن كل ما لا يليق بجلاله وعظمته، وهذا كقول الله -جل وعلا-: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ .
وقد نزه الله -جل وعلا- نفسه فقال: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ .
وقال -جل وعلا-: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وقال فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ .
ونزهته الملائكة الكرام، قالوا: سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ .
وقوله -جل وعلا- في هذه الآية: سَبِّحِ اسْمَ الاسم هذا أُدْخِلَ بين الفعل وكلمة ربك زيادة في تعظيم الله -جل وعلا- وطلبا لتعظيمه، ويدل على هذا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما نزلت هذه الآية قال: اجعلوها في سجودكم .
وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى، ولم يقل سبحان اسم ربي الأعلى؛ بل قال سبحان ربي الأعلى، فدل ذلك على أن المراد بقوله -جل وعلا- سبح اسم ربك الأعلى الذي هو تسبيح الله -جل وعلا.
وقوله -جل وعلا-: الْأَعْلَى هذا صفة الله -جل وعلا-، وهذا اسم مكن أسماء الله -جل وعلا- يتضمن إثبات العلو له -جل وعلا-، وعلو الله -جل وعلا- على خلقه علو بذاته -جل وعلا-، فهو -جل وعلا- في العلو كما قال تعالى: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ .
وقال -جل وعلا-: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ يعني: من في العلو؛ لأن السماء يُطْلَق على العلو.
وقال -جل وعلا- مبينا فوقيته على خلقه: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ .
وقال -جل وعلا-: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ .
وأخبر -جل وعلا- أن الأشياء تصعد إليه وتعرج، وذلك دليل على علوه، كما قال الله -جل وعلا-: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ يعني: أن الله يرفع العمل الصالح.
وقال -جل وعلا-: تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ .
وأخبر -جل وعلا- أنه يُنَزِّل الأشياء على خلقه، والنزول لا يكون إلا من علو، كما قال الله -جل وعلا- (إنا أنزلناه).
الكمال المطلق في صفاته، وأفعاله -جل وعلا- كما قال الله -جل وعلا-: وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ قال -جل وعلا- لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وقال -جل وعلا- قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا وقال -جل وعلا-: وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا فهو -جل وعلا- له علو الصفات، فلا عيب، ولا نقص يلحقه -جل وعلا- بل هو -جل وعلا- الأعلى في صفاته، وفي أفعاله، سبحانه وتعالى.
ثم قال -جل وعلا-: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى أي خلق الأشياء فسواها، وأحسن -جل وعلا- خِلقتها، وقد تقدم لنا ذلك، ثم قال -جل وعلا- وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى أي أن الله -جل وعلا- قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، كما ثبت ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ثم هدى العباد بعد ذلك إلى أن يأتوا بما قدره -جل وعلا- عليهم، فمن كان من أهل السعادة، فإنه يعمل بعمل أهل السعادة، ويُهدى إلى طريقهم، ومن كان من أهل الشقاء، فإنه يعمل بعمل أهل الشقاء، ويُهدى إلى طريقهم.
والعباد في معايشهم، وأرزاقهم والحيوانات والنباتات والجمادات كلها، بل كل خلق الله -جل وعلا- قدر الله -جل وعلا- عليهم ما هم عاملون، ثم يوقعونه كما أراد الله -جل وعلا- وقضى به في سابق علمه؛ ولهذا قال موسى لفرعون: رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى فالطيور تهتدي في الصباح تغدو خماصا، وتروح بطانا والدواب ترحم أولادها، والطفل الصغير إذا خرج من بطن أمه التقم ثديها، وهذه الدواب ترعى وتأكل، ثم تنمو وتمشي، وتذهب وتروح، وهذه كل مخلوقات الله -جل وعلا- في سيرها قد هداها الله -جل وعلا- لما سبق به علمه، سبحانه وتعالى.
ثم قال -جل وعلا- وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى يعني: أن الله -جل وعلا- هو الذي أخرج المرعى، وهي النباتات التي تنبت من نزول المطر من السماء، وترعاها الدواب، فالله -جل وعلا- هو الذي أخرج ذلك فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى الغثاء: هو ما يكون على ظهر السيل مما يحمله الماء، والأحوى: هو الأسود الذي يميل إلى خضرة، ومعنى ذلك أن الله -جل وعلا- بعد أن يخضر هذا الزرع، يعود يابسا هشيما قد اسود؛ ولهذا قال بعض العلماء: إن الله -جل وعلا- ذكره مثلا للحياة الدنيا، وهذا المثل ضربه الله -جل وعلا- في آيات كثيرة، كما قال الله -جل وعلا-: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا قال -جل وعلا-: إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ وقال -جل وعلا- اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا .
ثم قال -جل وعلا- سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى .
أخبر الله -جل وعلا- في هذه الآية نبيه -صلى الله عليه وسلم- أنه سيقرئه القرآن، ويجعله محفوظا عنده، إلا ما شاء الله -جل وعلا- أن ينسيه نبيه -صلى الله عليه وسلم-، فإنه ينساه، وهذا لا يعارض قول الله -جل وعلا- إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ كما لا يعارض قوله -جل وعلا- إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ وإنما لم يعارض هذا؛ لأن ما ينساه النبي -صلى الله عليه وسلم- يكون الله -جل وعلا- قد أراد نسخه، والله -جل وعلا- له الحكمة في ذلك، فينسيه نبيه -صلى الله عليه وسلم- ليكون أمرا منسوخا.
ويبدله الله -جل وعلا- بمثله، أو خير منه، كما قال -تعالى-: مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا .
وإما أن ينسه الله -جل وعلا- نبيه -صلى الله عليه وسلم- شيئا من هذا القرآن، فيذكر به، وييسر الله -جل وعلا- أسباب ذلك، كما ثبت في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سمع رجلا يقرأ آية، فقال: رحم الله أخي، كنت قد أنسيتها وهذا الحديث، حديث في الصحيحين، وفي معناه كلام للعلماء، ولكن إذا أخذ بظاهره كما هو ظاهر الآية، فإن الله -جل وعلا- ييسر لنبيه -صلى الله عليه وسلم- سببا إذا أراد الله -جل وعلا- بقاء هذا القرآن وحفظه من النسخ وأما إذا أراد ن ينسخه، فإنه -سبحانه وتعالى- ينسيه نبيه -صلى الله عليه وسلم- وله -جل وعلا- في ذلك الحكمة البالغة، فلا يعارض ذلك قوله: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ كما حفظه الله -جل وعلا- أو هذا الذكر الذي أراده الله -جل وعلا- ذكرا يبقى إلى يوم الدين، حفظه الله -جل وعلا- فلم ينسخ ولم ينسَ.
ثم قال - جل وعلا-: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى أي: إن الله -جل وعلا- يعلم ما يخفيه العباد، وما يظهرونه، وما يخرج على وجه الأرض، وما يكون في باطنها وما هو في السماء، وما هو في هذا الكون كله: الخافي منه والظاهر، فإن الله -جل وعلا- يعلمه.
ثم قال -جل وعلا-: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى أي: إن الله -جل وعلا- ييسر نبيه -صلى الله عليه وسلم- لليسرى، وهي هذه الملة الحنيفية السمحة التي ليس فيها إفراط ولا تفريط ولا غلو ولا جفاء، بل هي شريعة سمحة مناسبة للعباد في معايشهم ومعادهم، ليس فيها آصار ولا أغلال، بل هي طريقة سهلة ميسرة، قد رفع الله -جل وعلا- فيها الحرج والآصار والأغلال، وهي ميسورة للعباد في فعلها كما أن هذه الطريقة، أو هذه التي يسر الله -جل وعلا- له نبيه -صلى الله عليه وسلم- تيسر العباد إلى الدخول في جنات النعيم، وتسهل عليهم طريق ذلك.
ثم قال -جل وعلا-: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى أمر الله -جل وعلا- نبيه أن يذكر العباد، ثم قال: إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى قال بعض العلماء: إن هذه الآية فيها محذوف، وتقديره: فذكر إن نفعت الذكرى، أو لم تنفع؛ لأن الله -جل وعلا- أرسل نبيه -صلى الله عليه وسلم- ليبلغ العالمين جميعا.
قالوا: وذلك جائز في لغة العرب، كما قال الله -جل وعلا- وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ وتقدير الآية: وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر والبرد؛ لأن القمصان، وهي السرابيل يمتنع بها العباد من الحر والبرد، هكذا قال بعض العلماء.
وأما شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- فقال: إن هذه الآية تشبه قول الله -جل وعلا-: فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا وقوله إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وذلك أن الله -جل وعلا- جعل في هذه الذكرى، ذكرى النبي -صلى الله عليه وسلم- نفعا عاما، ونفعا خاصا، فالنفع العام هو ما يحصل بالذكرى من إقامة الحجة على الكافر، وتبصير المؤمنين، وإظهار هذا الدين، وتبليغ رسالة الله -جل وعلا- التي تبرأ بها ذمة المرسل الذي أرسله الله -جل وعلا- ففي هذا نفع عام.
وهناك نفع خاص، وهو الذي يتذكر به العبد، وينتفع به في خاصة نفسه، فيهديه الله -جل وعلا- لدينه، فالله -جل وعلا- في هذه الآية أمر نبيه -صلى الله عليه وسلم- بالتذكير العام، وتذكير المؤمنين والكفار، فقال -جل وعلا-: فَذَكِّرْ وأخبر -جل وعلا- أن التذكرة الخاصة هي التي يجب على النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يذكرها من كان يتذكر، وأما من لم يكن يتذكر، فإنه لا يجب على النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يذكره هذه الذكرى الخاصة.
كما قال -جل وعلا-: فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ فالذي يتولى عنهم النبي -صلى الله عليه وسلم- هم الذين لم يستجيبوا للنفع الخاص، ولم يستجيبوا للذكرى التي تتضمن النفع الخاص، وأما عموم الخلق فيذكرهم النبي -صلى الله عليه وسلم- ويدل هذا قوله -جل وعلا- في هذه الآية، أو بعد هذه الآية: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى أي يتجنب التذكرة الخاصة الأشقى، من كتب الله -جل وعلا- عليه الشقاء، وأما التذكرة العامة قد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يذكرهم، ولا يمكن لهم أن يتجنبوها؛ لأنهم كانوا يسمعونها كما أخبر الله -جل وعلا- عنهم في مواضع كثيرة من كتابه.
ثم قال -جل وعلا- وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى يعني: أن من سبق في علم الله -جل وعلا- أنه من أهل الشقاء، فإنه يتجنب هذه الذكرى، فلا يتذكر، وإذا لم يتذكر العبد، فإنه يكون من أهل النار، ويصلى النار الكبرى.
وهذه النار الكبرى المراد بها نار الآخرة؛ لأنها نار عظيمة فظيعة شديدة.
وأما نار الدنيا، فإنها بالنسبة إلى نار الآخرة، فإنها تعتبر ضعيفة؛ ولهذا ثبت في الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال عن نار الدنيا: ما ناركم هذه إلا جزء من سبعين جزءا من نار الآخرة فنار الآخرة تفضل على نار الدنيا بتسع وستين جزءا؛ ولهذا كانت تلك النار هي النار الكبرى. وهذه النار قال الله -جل وعلا- فيها الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى الذي يصلى النار الكبرى هو الكافر، وأما المؤمن -ولو كان مذنبا - فإنه لا يصلى النار الكبرى، إذا كان المؤمن مؤمنا، واقترف شيئا من السيئات، فإن النار تصيبه ولا تصلاها.
وأما الكافر فإنه هو الذي يصلى النار الكبرى، وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه أخبر أن الذي يصلى هذه النار الكبرى، إنما هم أهلها الذين لا يموتون فيها ولا يحيون، وأما المؤمن فإنه تصيبه النار بذنوبه، ثم يخرج بالشفاعة، ويلقى في نهر الحياة، فينبت بعد ذلك كما تنبت الحبة في حميل السيل، ثم بعد يدخل الجنة بفضل الله -جل وعلا- ورحمته .
فالنار قد تصيب المؤمن، ولكنه لا يصلاها؛ ولهذا لا يكون الصلي إلا في شأن الكافرين.
قال الله -جل وعلا-: ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا أي أن الكافر لا يموت في النار، بل هو حي، لكن هذه الحياة حياة لا راحة فيها ولا تنفعه؛ ولهذا قال -تعالى-: لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا يعني: لا يحيا حياة يرتاح فيها، وينتفع بها، وإنما هي حياة يتمنى فيها أن يموت كما قال -جل وعلا- عن أهل النار: وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ وقال -جل وعلا-: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا وقال -جل وعلا-: إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا وقال -جل وعلا- عن أهل النار: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ فالكفار لا يموتون في هذه النار، بل هم فيها أحياء حياة كأنها لا حياة بالنسبة لهم؛ لأنهم يذوقون فيها العذاب غدوا وعشيا، وأما أهل التوحيد الذين ماتوا، وعليهم شيء من السيئات، فهم إذا أصابتهم هذه النار أماتهم الله -جل وعلا- ثم بعد ذلك أحياهم، وأدخلهم الجنة بفضله ورحمته، بعد شفاعة الشفاعين.
ثم قال -جل وعلا- قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى قوله -جل وعلا-: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى أي قد أفلح وفاز، ونجا من زكى نفسه، وطهرها من السيئات والمعاصي، ونماها وقواها بالأعمال الصالحة، والإيمان بالله -جل وعلا- فهذا يتزكى.
وهذا التزكي له لا يكون إلا بفعل أسباب الزكاة، وأما نفس التزكي، فإن الله -جل وعلا- إذا أراد بعبده خيرا زكاه؛ ولهذا كانت التزكية لله -جل وعلا- وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ .
وأما العبد فعليه أن يبذل أسباب الزكاة، فإذا أراد الله -جل وعلا- به خيرا زكاه، ومن بذل أسبابها هداه الله -جل وعلا- ووفقه وزكاه، فإضافتها هنا، أو إسناد التزكي له؛ لأنه يفعل أسباب التزكي من الإقبال على طاعة الله، والتفكر في آيات الله ومخلوقاته، والإذعان لأوامر الله، والانتهاء عن نواهيه، وحمل النفس على ذلك، فإذا فعل ذلك كان طالبا للزكاة، وصح أن يطلق عليه متزكيا.
فإذا أراد الله -جل وعلا- به خيرا زكى الله -جل وعلا- قلبه وجوارحه وعمله، فكان من المتزكين، ومن المزكين عند الله -جل وعلا-، وهذا الفلاح في التزكي بينه الله -جل وعلا- في قوله: وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى فهذا هو الفلاح الذي ذكره الله -جل وعلا- في هذه الآية، والله -جل وعلا- في آيات أخرى بين لعباده طريق هذه التزكية، وذلك باتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ .
وقال -جل وعلا-: كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ فلا طريق للزكاة إلا باتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو الطريق الأوحد ليس هناك طريق آخر غير هذا الطريق، من ابتغى طريقا للزكاة غير طريق نبينا -صلى الله عليه وسلم- فهو ضال ومضل.
ومن ظن، أو زعم أن هناك طريقا يوصل به إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- غير الطريق الذي جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو كافر بالله العظيم، وذلك بعد بعثة النبي -عليه الصلاة والسلام- فمن قال: إن النصرانية طريق إلى الجنة، وإن اليهودية طريق إلى الجنة، أو أن وحدة الأديان طريق إلى الجنة بعد نبينا -صلى الله عليه وسلم- فهو كافر بالله العظيم؛ لأنه اتخذ طريقا غير الطريق التي جاء بها النبي -صلى الله عليه وسلم-، والله - جل وعلا - لم يجعل إلا طريقا واحدا إلى دينه وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ .
فلا زكاة للعبد، ولا تزكي إلا باتباع ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- لأن الله -جل وعلا- بعثه بأسباب الزكاة، وبعثه بما يزكي به العباد.
وقوله -جل وعلا- وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى يعني: أنه ذكر الله -جل وعلا- فخاف من ربه، وآمن به، ووجل لذكره -جل وعلا- كما قال -تعالى-: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وقوله -جل وعلا-: "فصلى" يعني: إنه صلى لله -جل وعلا- وأول ما يدخل في ذلك الصلوات الخمس التي فرضها الله -تعالى- على خلقه؛ لأن بعض العلماء يقول: إن قوله -جل وعلا-: "فصلى" يشمل عموم الطاعات والعبادات، لكن أولها دخولا هذه الصلوات الخمس التي أوجبها الله -جل وعلا- على عباده، فمن لم يؤدها، فإنه لا يتزكى.
ثم قال -جل وعلا- بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بين -جل وعلا- في هذه الآية أن الكفار يؤثرون الحياة الدنيا؛ لأنهم ينكرون البعث والنشور، فيؤثرون هذه الحياة الدنيا، ويركنون إليها، ويطمئنون بها، ويرضون بها عوضا عن الآخرة.
وقد يبن الله -جل وعلا- جزاءهم على ذلك في قوله -جل وعلا-: إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ .
وأما المؤمنون، فإنهم لا يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة، وإن تمتعوا بالطيبات التي أباحها الله -جل وعلا- لهم؛ ولهذا قال -جل وعلا- في قصة السحرة الذين آمنوا من قوم فرعون: قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا والمؤمن يأخذ من الدنيا نصيبه منها، لكنه يسعى إلى آخرته، ولا يؤثر حياته الدنيا على الآخرة؛ لأنه إذا آثر الدنيا على الآخرة عذبه الله -جل وعلا- وكان من أهل النار، ولكن كما قال الله -جل وعلا-: وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ وقال -جل وعلا- في قصة قارون: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ .
ثم قال -جل وعلا- وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى أي أن الآخرة خير من الدنيا، ولا شك في ذلك، وأبقى بمعنى أنها أدوم؛ لأن الدنيا تنقطع، وأما الآخرة فلا ينقطع نعيمها أبدا، وهذا كما قال الله -جل وعلا- مبينا أن الآخرة خير من الدنيا: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ .
وقال -جل وعلا-: قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا وقال -جل وعلا-: وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ فدلت هذه الآيات على أن الدنيا، وإن كان فيها متاع إلا أن ما في الآخرة خير مما في هذه الدنيا، كما أنه أدوم مما في هذه الدنيا؛ لأن أهل الجنة خالدين فيها أبدا ينعمون، ويأتيهم من رزق الله -جل وعلا- ومن النعيم المقيم في هذه الجنة خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وأما الدنيا، فإن تمتع بها العبد، فإن مصيرها إلى الزوال، فالآخرة خير منها، كما أنها أبقى، وأدوم.
ثم قال -جل وعلا-: إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى الصحف هذه صحف أنزلها الله -جل وعلا- على موسى وعلى إبراهيم، كل واحد منهم أنزل الله -جل وعلا- عليه عشرا من الصحف، وهذه الصحف قد ذكر الله -جل وعلا- فيها معنى قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى إلى آخر السورة.
ذكر الله -جل وعلا- ما ذكره في هذه الصحف، وذلك دليل على أن ما اشتملت عليه هذه الآيات من الأشياء المهمة التي ينبغي للمسلم أن يعتني بها؛ لأن فيها تزكية للنفس في باب التوحيد، في باب توحيد الله -جل وعلا- وفي باب الأحكام والشرائع، وفي باب الأخلاق، وفي جميع ما يحتاج العباد في هذه الصحف.
في هذه الآيات تزكية لهم، كما أن فيها بيانا وإظهارا لحق الله -جل وعلا- على خلقه، ووجوب اتباع ما جاء به الأنبياء والمرسلون؛ لأن الأنبياء والمرسلين لا يأتون من عند الله -جل وعلا- إلا بما فيه الخير والصلاح للعباد، في معاشهم وميعادهم.
ولهذا شرائع الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- كلها متفقة على ما يصلح الإنسان في معاشه وميعاده، وإن اختلفت هذه الشرائع فيما بينها إلا أن الأصل، وهو التوحيد متفقة فيه، كما أنها متفقة على الأصل الكلي، وأنها لا تأتي للعباد إلا بما يصلحهم، وهذا مما اتفق عليه أهل العلم، والله أعلم.

رد باقتباس
  #9  
قديم 10-15-2009, 08:21 AM
+
ahmed zoma ahmed zoma غير متصل
مشرف اقسام الاغانى و الافلام



 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الإقامة: Assuit
المشاركات: 21,196
افتراضي رد: تفسير القران الكريم كاملا ( ارجوا التثبيت)

سورة الطارق
تفسير سورة الطارق


بسم الله الرحمن الرحيم: وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا وَأَكِيدُ كَيْدًا فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا


هذه سورة الطارق، أقسم الله -جل وعلا- فيها ببعض مخلوقاته، فقال -جل وعلا-: وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ والطارق أصله ما يَطْرُقُ الإنسانَ ليلا، فإذا جاء إنسان إلى أهله أو إلى آخر في الليل فإنه يُسَمَّى طارقا، والله -جل وعلا- يبين المراد بالطارق بقوله -جل وعلا-: وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ .

فالمراد بالطارق: هو النجم الثاقب، والمراد بالثاقب: النجم المضيء الذي يثقب بضوئه، فأقسم الله -جل وعلا- بالنجم الثاقب، وعَظَّم شأنه بقوله -جل وعلا-: وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ .
ثم ذكر الله -جل وعلا- ما أقسم عليه، فقال -جل وعلا-: إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ أي: أنه -جل وعلا- جعل على كل نفس حافظا يرقب حركات العبد وسكناته، وأقواله وأفعاله، كما قال الله -جل وعلا-: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ وقد تقدم بيان ذلك.
وقد أقسم الله -جل وعلا- على ذلك بأنه قد يتوهم بعض العباد -إذا لم يَرَ الملائكة الذين يحفظونه- أن هذا شيء كذب لا حقيقة له؛ فلذا أكده الله بأن أقسم الله -جل وعلا- عليه.
ثم قال -جل وعلا-: فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ هذا فيه أمر من الله -جل وعلا- لعباده بأن ينظروا إلى ما خُلِقُوا منه؛ لأن النظر إلى مثل هذه الأشياء يورث العبد إيمانا بربه، وزيادة لإيمانه مع إيمانه.
ثم بين -جل وعلا- ما خُلِقَ الإنسان منه، قال تعالى: خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ أي: خلق هذا العبد من الماء الدافق الذي يصبُّ من الرجل ويخرج من ذكره، وقبل خروجه من الذكر يكون خارجا من صلبه في ظهره، وهذا فيه آية من آيات الله -جل وعلا-، ثم بعد ذلك يضعه في المرأة، فينزل ماؤها الذي يخرج من ترائبها، والترائب: هو الموضع الذي توضع عليه القلادة غالبا، ينزل من ذلك ماء، فيستقر في الرحم، فيجتمع مع ماء الرجل، فيخرج الله -جل وعلا- منه الولد.
وبعض العلماء يقول إنه قوله تعالى: يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ أن المراد صلب الرجل وترائبه، والله تعالى أعلم بذلك.
ولكن كون هذا الولد يخرج من ماء دافق، من ماء مهين حقير، هذا آية على وحدانية الله -جل وعلا-، وآية على كمال تدبيره لخلقه، وآية على حسن صنعته -جل وعلا-، وآية على قدرته -جل وعلا- على بعث خلقه وإنشائهم مرة أخرى.
ثم قال -جل وعلا- إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ أي: أن الله -جل وعلا- قادر على أن يرجع الإنسان بعد ذلك، فالذي خلقه من ماء مهين قادر على أن يعيده حيا بعد موته، وقد تقدم لنا كثيرا استدلال الله -جل وعلا- بالنشأة الأولى على النشأة الآخرة، كما قال تعالى: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ .
ثم قال -جل وعلا-: يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ أي: أن الله -جل وعلا- يعيد الخلق في يوم تُبْلَى فيه السرائر، بمعنى أن السرائر فيه تُخْتَبر وتمتحن، والسرائر: جمع سريرة؛ وهو ما يخفيه الإنسان، فالله -جل وعلا- يوم القيامة إذا أرجع الأرواح إلى أجسادها وأعاد الأجساد يبتلي -جل وعلا- سرائر عباده؛ لأن العبد قد يعمل أعمالا في الظاهر، ولكن سريرته على خلافها، فإذا كان يوم القيامة انكشفت الحقائق أمام الله -جل وعلا-، فمن زعم أنه يعمل لله -جل وعلا- وهو يعمل لغيره فإن الخلق قد يصدقونه في الدنيا، فإذا جاء يوم القيامة وكشف الله -جل وعلا- السرائر وظهرت له أعماله، تبين أن عمله الذي كان يعمله في الدنيا هباءً منثورا.
ثم قال -جل وعلا-: فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ أي: أنه إذا ابتلَى الله -جل وعلا- السرائر، وأعاد الأجساد، فإن العبد في ذلك الموقف ليس بقوي يدفع عن نفسه عذاب الله -جل وعلا-، وليس له ناصر يُعِينُه على دفع ما يلقاه من العذاب؛ لأنه لا ملجأ من الله إلا إليه، فلا أحد يملك أن يدفع عن نفسه شيئا، ولا أن أحد يستطيع أن ينصر غيره، كما قال تعالى: يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ .
ثم قال -جل وعلا-: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ يعني: والسماء ذات المطر، وسُمِّي المطر رجعا لأنه يتكرر ويرجع مرة بعد أخرى.
وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ أي: الأرض ذات النبات، وسُمِّي النبات صدعا في هذه الآية لأنه إذا أراد الخروج من الأرض انصدعت الأرض، بمعنى انشقت، فهذا قَسَمٌ من الله -جل وعلا- بمخلوقين من مخلوقاته وآيتين من آياته، وهذا القسم على كتابه الكريم.
قال تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ أي: أن هذا القرآن قولٌ فصل يفصل بين الحق والباطل، ويميز الحق من الباطل، وهذا يدل على أن القرآن حق في نفسه، وأنه صدق، وأنه عدل؛ لأن الذي يفصل بين الحق والباطل لا بد أن تكون له هذه الأوصاف.
ثم إن هذا القرآن من كونه فصلا، أنه جِد ليس فيه إلا الحق، ليس فيه كذب، وليس فيه تخييل، وليس فيه قصص كاذب؛ وإنما هو كله حق وجد.
ولهذا قال تعالى: وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ يعني: هذا القرآن جد وفصل ليس بالهزل؛ لأن الهزل ما هو إلا باطل وكذب وعبث، والقرآن منزه على ذلك، وهذا فيه رد على الكفار الذين قالوا: إن القرآن شعر، وإن القرآن سحر، وإن القرآن كهانة، رَدَّ الله -جل وعلا- عليهم بذلك، وقال إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ .
ثم قال -جل وعلا-: إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا أي: أن الكفار يكيدون كيدا لأولياء الله المؤمنين، ويخادعون ويمكرون بهم، بل إنهم -في زعمهم وظنهم- يريدون أن يخادعوا الله -جل وعلا- ويمكرون به، كما قال تعالى عنهم: يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ .
ثم قال -جل وعلا-: وَأَكِيدُ كَيْدًا أي: أولئك الكفار يكيدون، والله -جل وعلا- يكيد، وكيده -جل وعلا- لهم أنه -جل وعلا- يُمْلِي لهم ويستدرجهم ثم يأخذهم -جل وعلا- على حين غرة.
قال الله -جل وعلا- في وصف كيده: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ وهذا فيه إثبات للكيد لله -جل وعلا-؛ فالله -جل وعلا- من صفاته أن يكيد لمن يستحق الكيد، ونُنَبِّه هاهنا إلى أن بعض العلماء أو بعض المفسرين في مثل هذه الآية يقول: هذا من باب المشاكلة، أو باب المقابلة، أو باب المجازاة. وهذا إن أريد به إثبات الصفة لله أولا، وإثبات حقيقتها، ثم بعد ذلك أريد بهذه المشاكلة، أو بهذه المقابلة، أو بهذه المجازاة أن الله -جل وعلا- يجازيهم على أعمالهم جزاء وفاقا- فهذا معنى لا بأس به.
وأما إن أريد به المشاكلة أو المقابلة أو بالمجازاة ما يستخدمه الأشاعرة وغيرهم من أنهم يريدون بذلك نفي الصفة عن الله -جل وعلا-، وأنها صفة وأن هذا مجاز في حق الله جيء به مقابل الصفة التي يتصف بها العبد، فالصفة في العبد حقيقية، ولله -جل وعلا- مجاز، فذلك أمر باطل ترده نصوص الشريعة التي دَلَّتْ على أنه يُثْبَت لله -جل وعلا- ما أثبته لنفسه، ويُنْفَى عن الله ما نفاه -جل وعلا- عن نفسه، وكذلك يُثْبَت له ما أثبته له رسوله، ويُنْفَى عن ما نفاه عنه رسوله -صلى الله عليه وسلم.
وسيأتي -إن شاء الله- مزيد إيضاح لها في آخر محاضرة بإذن الله عند آيات الصفات.
ثم قال -جل وعلا-: فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا يأمر الله -جل وعلا- نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يعطي الكافرين مهلة، لكن هذه المهلة قال الله -جل وعلا-: رُوَيْدًا يعني: قليلا، ولهذا بعد ذلك نزلت آيات السيف، وأُمِرَ النبي -صلى الله عليه وسلم- بالقتال.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ .
فكان في الأول الله -جل وعلا- أمر نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن ينتظر، ثم بعد ذلك أمره الله -جل وعلا- أن يقاتل من كفر ولم يسلم منهم، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.























سورة البروج

تفسير سورة البروج


أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ


بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

قال الله -جل وعلا-: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ هذا قسمٌ من الله -جل وعلا- بالسماء وبروجها، والبروج: هي الكواكب والنجوم التي في السماء أو منازلها، وهذا قسمٌ من الله -جل وعلا- ببعض مخلوقاته التي يشاهدها العباد؛ لأن الله -جل وعلا- جعل لهم فيها آية وعبرة، ومثل هذه الآية قول الله -جل وعلا-: وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا .
ومثلها في دلالتها على السماء والبروج قول الله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا .
وهذه البروج التي جعلها الله -جل وعلا- في السماء بَيَّنَ لنا رب العالمين حكمته من خلقها في قوله -جل وعلا-: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ .
وفي قوله -جل وعلا-: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ .
وفي قوله -جل وعلا-: وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ .
فهذه ثلاثة أشياء خلق الله -جل وعلا- النجوم لها؛ رجوما للشياطين الذين يسترقون السمع كما قال تعالى: فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا .
وجعلها -جل وعلا- زينة للسماء، ومصابيح يستنير بها العباد.
وجعلها -جل وعلا- علامات يهتدي بها العباد في البر وفي البحر.
ولهذا قال قتادة -رحمه الله-: "خلق الله تعالى النجوم زينة للسماء؛ رجوما للشياطين، وعلامات يُهْتَدَى بها، فمن تَأَوَّلَ فيها غير ذلك فقد أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما ليس له به علم".
فمن ظن في هذه النجوم أنها تؤثر على مخلوقات الله -جل وعلا- وتدبرها، فهو مشرك كافر بالله العظيم، وأما من استفاد من هذه النجوم في معرفة ما يحتاجه من القبلة أو من الطريق أو من معرفة المواقيت أو من معرفة غيرها مما لا تَعَلُّق له بالشرك، ولا اعتقاد فيه بالتأثير، فذلك مما رَخَّصَ فيه جمهور العلماء.
ثم قال الله -جل وعلا-: وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ اليوم الموعود: هو يوم القيامة؛ لأن الله -جل وعلا- جعله موعدا للخلائق يردهم إليه، وهذا بإجماع أهل التفسير.
وقد جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- تفسيره بذلك، إلا أن الأحاديث لا تثبت فيه.
ويبين هذه الآية قول الله -جل وعلا- في شأن أهل الجنة: لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ .
وقال -جل وعلا-: فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ .
وقوله -جل وعلا- في الرد على المشركين: قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ .
ثم قال -جل وعلا-: وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ أكثر المفسرين على أن الشاهد هو يوم الجمعة؛ لأنه يشهد على كل عامل بما عمل فيه، والمشهود هو يوم عرفة؛ لأن الحُجَّاجَ يشهدون هذا اليوم، والذي اختاره ابن القيم -رحمه الله- أن هذا مطلقٌ في الشاهد والمشهود، فيكون قَسَمًا بالله، وقسما بالملائكة، وقسما بالرسل، وقسما بالقرآن، وقسما بكل شيء شاهد أو مشهود؛ لأن الله -جل وعلا- أطلق في هذه الآية ولم يُقَيِّد، فكل ما كان شاهدا أو مشهودا بمعنى مرأى أو رائي، أو مُدْرَك أو مُدْرِك، أو عالم أو معلوم، فالله -جل وعلا- قد أقسم به؛ لأن الله -جل وعلا- أطلق ولم يُقَيِّد بشيء.
ولهذا تنوعت عبارات السلف -رحمهم الله- في الشاهد والمشهود، وهذا التنوع لعله في جملته من باب التفسير ببعض، أو تفسير الشيء ببعض آحاده.
ثم قال -جل وعلا-: قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ الأخدود: هو شق مستطيل عظيم في الأرض كالخندق، هذا هو الأخدود، وأهل الأخدود هؤلاء لعنهم الله -جل وعلا- في هذه الآية، فقال: "لعن الله -جل وعلا- من خَدَّدَ تلك الأخاديد، وأضرم فيها النار، وحرَّق فيها عباد الله المؤمنين".
فقال -جل وعلا-: قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ أي: لُعِنَ أصحاب الأخدود.
ثم بَيَّنَ الله -جل وعلا- هذا الأخدود فقال: النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ يعني: أن المراد بالأخدود هاهنا النار العظيمة التي أوقدت في هذه الحفر ليمتحن بها المؤمنون، فمن أجاب إلى الكفر لم يُلْقَ، فيها ومن كان مؤمنا وصبر على إيمانه فإنه يُلْقَى في هذه النار.
وقوله -جل وعلا-: النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ أي: ذات الحطب الذي يكون وقودًا لهذه النار.
إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ أي: أن أولئك المجرمين الذين خدوا هذه الأخاديد قعود على هذه النار وعلى جنباتها، يفتنون عباد الله المؤمنين.
وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ أي: هم حاضرون، ويشاهدون ما يفعلونه بعباد الله المؤمنين، وذلك لشدة قساوة قلوبهم، وبطشهم، وكفرهم بالله -جل وعلا-؛ لأن العادة جارية أن الكبراء والسلاطين إذا أرادوا تعذيب هذه الأمم لا يأتون ولا يباشرون هذه الأفعال، وهؤلاء يأتون ليروا عباد الله المؤمنين الأحياء وهم يُحَرَّقُون في هذه النار تَشَفِّيًا منهم من أجل أنهم آمنوا بالله -جل وعلا.
وهذه الآيات ذكر بعض العلماء أنها حوادث كثيرة وقعت قبل النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأمم السابقة في أنحاء من المعمورة، امْتُحِنَ بها الذين آمنوا، وبعضهم يحمل هذه الآية على القصة التي خَرَّجَها الإمام مسلم في صحيحه من حديث صهيب في قصة الملك والساحر والغلام، وهي قصة طويلة خَدَّ فيها هذا الملك الجبار الأخاديد، وصار يفتن المؤمنين من صبر على إيمانه قُذِفَ فيها.
حتى جاءت امرأة معها صبي، فلما تقاعست أن تقع في النار وكادت تجيب، قال لها الصبي: اتقي الله واصبري .
ثم قال -جل وعلا-: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ أي: ما نقم أولئك الكفار من هؤلاء المؤمنين إلا أنهم يؤمنون بالله -جل وعلا.
وهذا كما قال الله -جل وعلا-: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ .
وهذا شأن الكفار ينقمون من المؤمنين لإيمانهم، ويؤذونهم، ويقتلونهم، ويخرجونهم من ديارهم من أجل إيمانهم، كما قال الله -جل وعلا-: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ .
فلما كانت العداوة عداوة دينية يحمل عليها بغض الإيمان صاروا يؤذون عباد الله -جل وعلا- بلا رحمة، ويعذبونهم بلا هوادة، وهذا شأن أعداء الله -جل وعلا- مع المؤمنين.
وفي هذه الآيات تنبيه من الله -جل وعلا- لعباده المؤمنين ألا يغتروا بالكفار، ولا يركنوا إليهم، ولا يودوهم؛ لأنهم أعداء لهم، فالشأن في الكافر أنه ينقم من المؤمن لأنه آمن بالله وحده.
وقوله -جل وعلا-: الْعَزِيزِ يعني: أن الله -جل وعلا- عزيز لا يُغْلَب ولا يُقْهَر، فله -جل وعلا- عزة القهر، وعزة القوة، وعزة الغلبة، وعزة الامتناع.
وقوله -جل وعلا-: الْحَمِيد يعني: المحمود؛ فالله -جل وعلا- محمود بما له من صفات الكمال والجلال والعظمة، وبما له من الأسماء الحسنى، وبما له من الأفعال الدائرة بين الفضل والعدل، وهو -جل وعلا- المحمود على كل حال والمحمود بكل لسان.
وقد ذَيَّل الله -جل وعلا- هذه الآية بقوله: الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ - والله أعلم - لئلا يظن مؤمن أن الله -جل وعلا- ليس بقدرته أن يدفع عن أولئك المؤمنين تَسَلُّطَ أعدائهم عليهم؛ وإنما صنع الله -جل وعلا- ذلك وسلط أعداء الله على المؤمنين -مع عزته -جل وعلا- وغلبته وقهره- ليمتحن عباده المؤمنين، ليرى -جل وعلا- هل يحمدوه على كل حال أو لا؟ وإلا فالله -جل وعلا- قادر على أن ينصر أولياءه.
وقد بَيَّنَ الله -جل وعلا- ذلك في كتابه الكريم، كما قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ .
وقال -جل وعلا-: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ .
وقال -جل وعلا-: وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ .
وقال -جل وعلا-: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ .
فهذه الآيات تدل على أن الله -جل وعلا- قادر على نصر أوليائه، ولكنه -سبحانه- يبتليهم ويختبرهم ليرى -جل وعلا- من يصبر على إيمانه وطاعته، ويمحص الله -جل وعلا- بذلك إيمانه، وليعلم الله -جل وعلا- من ينقلب على عقبيه خاسئا كافرا ضالا.
ولهذا ذكر الله -جل وعلا- عن عباده المؤمنين أنهم إذا جاءتهم مثل هذه المصائب التي يتسلط بها أعداء الله عليهم أنهم يؤمنون ويصدقون بوعد الله، ويزدادون تصديقا وإيمانا بالله، كما قال الله -جل وعلا-: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا .
لما تَحَزَّبَ الأحزاب على النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه، وضَيَّقُوا عليهم في المدينة، كان موقف المؤمنين ما ذكره الله -جل وعلا- في هذه الآية.
وكما قال الله -جل وعلا- عن المؤمنين: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ يعني: أن المؤمنين يقولون للمنافقين: هل تنتظرون بنا إلا إحدى الحسنيين: إما الشهادة، وإما النصر. وذلك دليل على ثباتهم على إيمانهم وصبرهم على دين الله -جل وعلا.
وأما المنافقون والكفار، والذين لا يوقنون بلقاء الله فيقولون كما قال إخوانهم قالوا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا .
ثم قال -جل وعلا-: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وهذه الجملة فيها تطمين لعباد الله المؤمنين بأن الله -جل وعلا- له ملك السماوات والأرض، فينصر -جل وعلا- من شاء، ويذل من شاء، والكافر مهما تَكَبَّر وتَجَبَّر فإن الله -جل وعلا- له ملك السماوات والأرض، وهو قادر على أن يذله ويخزيه.
وكما أن في هذه الآية تخويفا وتهديدا لأعداء الله -جل وعلا- الذين يفتنون المؤمنين عن دينهم، فإن الله -جل وعلا- له ملك السماوات والأرض، يأخذهم -جل وعلا- على حين غِرَّة وهم لا يشعرون، يأخذهم في تقلبهم، أو يأخذهم وهم نائمون، أو يأخذهم ضُحى وهم يلعبون، والله -جل وعلا- قادر على ذلك.
ثم قال -جل وعلا-: وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أي: أن الله -جل وعلا- عالم بجميع الأشياء، محيط بها، لا تخفى عليه، كما أنه -جل علا- شاهد للعباد، وهو كذلك شاهد عليهم يشهد لهم -جل وعلا-، ويشهد عليهم، ويشهد -جل وعلا- على كل شيء؛ لأنه -جل وعلا- عالم بكل شيء لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
ومن ذلك أن الله -جل وعلا- شهيد على أعمال أولئك المجرمين بعباد الله المؤمنين، وهو -جل وعلا- شاهد عليهم يوم القيامة بما كسبته أيديهم، وشاهد للمؤمنين بصبرهم على دين الله -جل وعلا-، وصبرهم على الأذى فيه.
ثم قال -جل وعلا-: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ .
هذه الآية يتوعد الله -جل وعلا- فيها الذين فتنوا المؤمنين، وجاء الله -جل وعلا- بوصف الإيمان في هذه الآية ليؤكد -جل وعلا- أنهم ما نقموا منهم إلا لإيمانهم، ولم يقل -جل وعلا-: إن الذين فتنوا أولئك، ولكن قال: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ ليبين -جل وعلا- ويؤكد أن سبب فتنتهم لأولئك إنما هو إيمانهم الذي ذكره الله -جل وعلا- في قوله: وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا .
ثم إنه -جل وعلا- جاء بهذا الوصف ليبين عموم هذا الحكم لجميع الناس، جاء بهذا الوصف، وأدخل عليه الألف واللام، وذلك يقتضي العموم، فالذين يفتنون المؤمنين والمؤمنات فإنهم داخلون في هذه الآية، بالوصف الإيمان الذي ذكره الله -جل وعلا- وإن كان أولئك الذين قَصَّ الله -جل وعلا- خبرهم هم الداخلين في هذه الآية مباشرة، وهم المرادون بها عند أكثر علماء التفسير.
ثم قال -جل وعلا-: ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ فالذين يعذبهم الله -جل وعلا- ويستحقون هذا الجزاء هم الذين فتنوا المؤمنين عن دينهم، ثم أصروا على ذلك فماتوا ولم يتوبوا، وأما من فتن المؤمنين ثم تاب بعد ذلك فلا يكون داخلا في هذه الآية؛ لأن الله -جل وعلا- يتوب على من تاب، وذلك غاية الكرم منه -جل وعلا- لعباده، يقتلون أولياءه ويدعوهم -جل وعلا- إلى التوبة، وهذا يدل على أن على أن العبد لا يتعاظم ذنب فعله أن يغفره الله -جل وعلا- له، ولو كان ذلك بقتل الأنفس؛ فإن الله -جل وعلا- قد دعا عباده إلى التوبة مما هو أعظم من قتل الأنفس أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .
ومن الذنوب الإشراك بالله -جل وعلا-، والذي قتل مائة نفس تاب الله -جل وعلا- عليه، ووعدهم -جل وعلا- وعد أهل الإشراك الذين تابوا بالتوبة قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ .
وقوله -جل وعلا-: فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ جمع الله -جل وعلا- عليهم في هذه الآية عذابين، قال بعض العلماء: الأول متعلق بعذاب الآخرة، والثاني متعلق بعذاب الدنيا، ذلك أن الله -جل وعلا- ما أمات أولئك الذين فتنوا المؤمنين إلا بعد أن أحرقهم بالنار؛ ذلك أن الله -جل وعلا- ما أمات أولئك الذين فتنوا المؤمنين إلا بعد أن أحرقهم بالنار.
وقال بعض العلماء: إن لهم في الآخرة عذابين: عذاب جهنم، وهذا يعذبون، والمراد به في هذه الآية أنهم يعذبون بزمهرير، وهو البرد الشديد، ثم بعد ذلك يردون إلى العذاب الحار، وهو المراد بقوله -جل وعلا-: عَذَابَ الْحَرِيقِ .
فهم يعذبون -أولا- بالبرودة الشديدة، ثم يعذبون بعد ذلك بالحرارة الشديدة الأليمة، والذي يظهر -والله أعلم- أن قوله -جل وعلا-: وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ يعني: أن هؤلاء الكفار لما جمعوا بين أمرين: الكفر بالله -جل وعلا-، وبين تعذيب المؤمنين وصدهم عن دين الله، فإن الله -جل وعلا- يعذبهم عذابا شديدا؛ فيعذبهم -جل وعلا- بجهنم، ولا يزال هذا العذاب يتسع عليهم، وهذا مأخوذ من قوله: وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ لأن النار إذا اشتعلت فإنها تبدأ تتسع شيئا فشيئا، فكأن الله -جل وعلا- أخبر أنه يزيدهم من العذاب والنكال جزاء ما فتنوا به عباده المؤمنين، وجزاءً على كفرهم بالله -جل وعلا.
والله -جل وعلا- بَيَّن في كتابه أن هذه النار درجات وطبقات، والناس يعذبون في هذه النار بحسب أعمالهم، فمنهم من هو في الدرك الأسفل من النار، ومنهم من يوضع تحت قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه، وهو أهون أهل النار عذابا، وما بين ذلك يعذب الله -جل وعلا- الناس في النار.
فالشاهد أنه لما كانت النار درجات ودركات وطبقات، وكانت هذه النار فيها من العذاب ما يقع على قدر ذنب العبد وجرمه، فإن هؤلاء لعظم جرمهم، لكونهم لم يقتصروا على الكفر بالله وحده؛ وإنما تعدوا إلى فتن المؤمنين وصدهم عن دين الله زاد الله -جل وعلا- في عذابهم نكالا لهم، وفي هذه الآية ما يدل على أن العبد المؤمن ولو ارتكب شيئا من السيئات والمعاصي- فإنه لا ينبغي له أن يشهره بين الناس، ويدعو الناس إليه؛ لأن ذلك من فتن الناس عن دينهم، ومن كان كذلك فيُخْشَى أنه إذا فتن العبد عن دينه، وارتد بسبب ما جلبه له من الوسائل وغيرها أن يدخل في هذه الآية التي توعد الله -جل وعلا- بها الكفار، وما كان دون ذلك من فَتْنِ أولياء الله، ومن فتن المؤمنين بالمعاصي والسيئات فإن له نصيبا من العذاب بقدر جرمه الذي ارتكبه من دعوة الناس إلى معصية الله -جل وعلا.
ثم قال الله -جل وعلا-: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ .
يعني: أن الذين آمنوا بالله -جل وعلا- وأطاعوه، وصدقوا بما جاءت به الأنبياء والرسل، واستقاموا على دينه وشرعه، فإن الله -جل وعلا- قد أعد لهم في الآخرة جنات تجري من تحتها الأنهار، وهذه الأنهار بينها الله -جل وعلا- في قوله: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى .
فهذه أربعة أنهار تجري في الجنة أعدها الله - جل وعلا- للذين آمنوا وعملوا الصالحات.
وقوله -جل وعلا-: مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ أي غير آجن، يعني غير فاسد بطول مكثه.
ثم قال -جل وعلا-: ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ لأن فوز الآخرة هو الفوز الحق، وأما من فاز بمتاع الدنيا وخسر الآخرة فذلك هو الخسران المبين.
ولهذا كان الفوز بنعيم الآخرة هو الفوز الكبير الذي ليس شيء أكبر منه، بل أكبر شيء هو الفوز بنعيم الآخرة، وأكبر النعيم النظر إلى وجه الله -جل وعلا.
ثم قال -جل وعلا-: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ وهذه الآية وما بعدها أتى فيها بيان بأن الله -جل وعلا- وإن أمهل الظالمين، وجعلهم وسلطهم على عباده المؤمنين- فإن بطشه -جل وعلا- ونقمته منهم شديدة، إذا أخذهم -جل وعلا- لم يفلتهم، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، وتلا قوله تعالى: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ

.
فقول الله -جل وعلا-: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ أي: أن الله -جل وعلا- يأخذ أولئك الكفار بعنف وقوة، ثم أكد -جل وعلا- على ذلك، وزاده تأكيدا بقوله -جل وعلا-: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ .

فالبطش في ذاته هو أخذ بعنف وقوة، ثم إن هذا البطش أيضا موصوف بأنه شديد، ومؤكد باللام، وهذا يدل على قوته، والله -جل وعلا- بطشه شديد، ثم هذا البطش مؤكد -أيضا- بالشدة، وهذا دليل على أن الذين يؤذون المؤمنين ويفتنونهم عن دينهم، أن الله -جل وعلا- لا بد وأن ينتقم لأوليائه منهم في الدنيا والآخرة.
ثم قال -جل وعلا-: إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ أي: أن الله -جل وعلا- يبدئ الخلائق، فينشئهم من العدم، ثم بعد ذلك يحييهم بعد موتهم كما قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ .
وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وفي هذه الآية -أيضا- تأكيد وبيان بأن الله -جل وعلا- سيعيد أولئك الذين عذبوا المؤمنين وسيجازيهم، كما أنه -جل وعلا- سيرد المؤمنين الصابرين إليه ويجزيهم على صبرهم أحسن الجزاء.
ثم قال -جل وعلا-: وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ أي: أنه -جل وعلا- غفور، كثير المغفرة، والمغفرة: هي ستر الذنوب والتجاوز عنها، فالله -جل وعلا- لكثرة ستره لذنوب عباده وصف نفسه بأنه غفور، وسمى نفسه بالغفور.
وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ والودود أي -جل وعلا- الذي يحب خلقه، الذي يحب المؤمنين، ويحبه المؤمنون، فالله -جل وعلا- وَادٌّ للمؤمنين، والمؤمنون يودون الله -جل وعلا-، فهو يحبهم وهم يحبونه، كما قال الله -جل وعلا-: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ .
وقال -جل وعلا-: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ .
وقال -جل وعلا-: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا .
فالله -جل وعلا- يحب المؤمنين، والمؤمنون يحبون ربهم.
ثم قال -جل وعلا-: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ أي: أنه -جل وعلا- صاحب عرش، وهذا العرش مخلوق من مخلوقات الله، خلقه الله -جل وعلا- واستوى عليه، والعرش أصله في لغة العرب: سرير المَلِك، ولا تعرف العرب إلا هذا المعنى كما قاله ابن قتيبة.
فالله -جل وعلا- له سرير، وهذا السرير له قوائم كما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: فإذا موسى أخذ بقوائم العرش .
وهذا السرير تحمله الملائكة، كما قال الله -جل وعلا-: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ يعني: أن الملائكة الذين يحملون العرش والملائكة الذين حول العرش يسبحون بحمد ربهم.
وقال -جل وعلا-: وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ .
وهذا العرش هو أعلى المخلوقات، وهو كالقبة عليها، كما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: إذا سألتم الله تعالى الجنة فاسألوه الفردوس؛ فإنه وسط الجنة وأعلاها، وفوقه عرش الرحمن .
فعرش الله -جل وعلا- فوق هذه المخلوقات كالقبة عليها، ولكن كيفية هذا العرش لا نعلمه؛ لأن عقولنا لا تحيط به ولا تدركه.
وهذا العرش قد استوى الله -جل وعلا- عليه، قد ذكر الله -جل وعلا- استواءه على العرش في مواضع سبعة من كتابه الكريم، وهذا العرش، الاستواء على العرش يدل على علو الله -جل وعلا- على خلقه.
ثم قال -جل وعلا-: " المجيد " والمجيد هذه قرأها جمهور القراء بالرفع، أي: ذو العرش المجيد، والمجيد هذا صفة لقوله ذو، يعني: أن الله -جل وعلا- مجيد، والمجد في لغة العرب هو نيل الشرف، وهو -أيضا- الكثرة والسعة، والله -جل وعلا- قد كمل سؤدده على خلقه، وله -جل وعلا- صفات الجمال والكمال والجلال والكبرياء والعظمة، كما أنه -جل وعلا- قد كثر خيره، ووسع عباده، ولهذا العباد يُمَجِّدُون ربهم -جل وعلا- فهو -جل وعلا- ماجد، وعباده يمجدونه -جل وعلا.
ثم قال تعالى: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ أي: أن الله -جل وعلا- يفعل ما يريد، يفعل أي شيء يريده، ولهذا عبر الله -جل وعلا- عن ذلك بقوله: "لما" والـ "ما" هذه، حرف "ما" من ألفاظ العموم يدل على أن الله -جل وعلا- يفعل ما يشاء.
وهذه الآية: قوله -جل وعلا-: فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ تثبت أن الله -جل وعلا- لا يتعاظمه شيء، كل شيء أراده فعله، وما فعله -جل وعلا- فهو يريده، أما العبد فقد يريد شيئا ولا يتمكن من فعله، وقد يفعل شيئا وهو لا يريد فعله، وأما الله -جل وعلا- فالفعل والإرادة في حقه متلازمان، ما فعله -جل وعلا- فقد أراده، وما أراده -جل وعلا- فعله؛ لأنه -جل وعلا- هو الذي له ملك السماوات والأرض، وهو العزيز الذي قد قهر كل شيء، ولا يمتنع عليه أي شيء.
ثم قال -جل وعلا-: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ يعني: قد جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- نبأ الجنود، ثم بَيَّنَهم -جل وعلا- بقوله: فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ والله -جل وعلا- في كتابه قد نَبَّأ نبيه -صلى الله عليه وسلم- ما كان من خبر قوم فرعون، وما كان من خبر ثمود قوم صالح، وما أهلكهم الله -جل وعلا- به.
وقد قال بعض العلماء: إن الله -جل وعلا- نَبَّه أو ذَكَر فرعون وثمود، مع أن الأمم المهلكة كثيرة، إلا أن خبر فرعون كان عند أهل الكتاب منتشرا مشتهرا ظاهرا، ولهم آثار باقية يراها الناس في أسفارهم، وثمود لهم آثار باقية يراها العرب في رحلتهم إلى بلاد الشام؛ لأنهم يمرون على ديار ثمود ويرون هذه الآيات العظيمة من هذه البيوت التي نحتوها، ومع ذلك أهلكهم الله -جل وعلا- وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، فلم يستطيعوا أن يهربوا مما أراده الله -جل وعلا-؛ بل بطش بهم -جل وعلا-، وفعل بهم ما أراد، وقاهرهم -جل وعلا-، وحمده أولياؤه على ذلك، كما قال الله -جل وعلا-: فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ .
ثم قال -جل وعلا-: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ يعني: مع أن الله -جل وعلا- أهلك هذه الأمم، ورأوا وشاهدوا آثارهم، وعلموا حالهم علما يقينيا لا شك فيه، مع ذلك هم مستمرون في تكذيب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وسيستمرون على ذلك؛ لأن الله -جل وعلا- طبع على قلوبهم بكفرهم بآيات الله -جل وعلا-، ولهذا لو جاءتهم كل آية لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم.
ثم قال -جل وعلا-: وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ أي: أن الله -جل وعلا- محيط بأولئك، لا يخرجون من قبضته وحكمه؛ بل هو محيط -جل وعلا- بهم، قد أحاط بهم فلا يفلت أحد منهم، ولا يخرج أحد منهم عن قهره وحكمته، ولا يخرج أحد منهم عن قبضته وإرادته؛ بل هو -جل وعلا- قد أحاط بهم، وهم بين يديه -جل وعلا-، فإذا شاء -جل وعلا- عَذَبَّهم، وإذا شاء -جل وعلا- رحمهم، وإذا شاء -جل وعلا- انتقم منهم جزاء تكذيبهم.
فهم لا يفلتون عن الله -جل وعلا-، كما قال تعالى: أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ وهؤلاء الكفار داخلون في قوله -جل وعلا-: بِكُلِّ شَيْءٍ وهم في هذه الآية وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ أي هؤلاء المكذبون الله -جل وعلا- محيط من ورائهم، لا يخرجون عن قهره وسلطانه -جل وعلا.
ثم قال -جل وعلا-: بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ أي: هذا القرآن الذي أنزله الله -جل وعلا- على نبيه -صلى الله عليه وسلم- هو قرآن مجيد، فيه الهدى والنور، وفيه الخير والسعة والبركة لمن اتبعه والتزم أوامره، وهو قرآن مجيد لما اشتمل عليه من الحق والهدى والنور.
ثم قال -جل وعلا-: فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ أي: أن هذا القرآن في لوح محفوظ عند الله -جل وعلا-، وهذا اللوح المحفوظ عند الله -جل وعلا- كتب فيه مقادير الخلائق، وجعل فيه هذا القرآن العظيم، ثم فَصَله إلى نبينا -صلى الله عليه وسلم.
وكما قال الله -جل وعلا-: فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ .
وقال -جل وعلا-: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ .

رد باقتباس
  #10  
قديم 10-15-2009, 08:22 AM
+
ahmed zoma ahmed zoma غير متصل
مشرف اقسام الاغانى و الافلام



 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الإقامة: Assuit
المشاركات: 21,196
افتراضي رد: تفسير القران الكريم كاملا ( ارجوا التثبيت)

سورة الانشقاق

فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ .

قال الله -جل وعلا-: فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ قد قدمنا أن قوله تعالى: فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ أي: أقسم بالشفق، و"لا " هذه -كما قال العلماء- زائدة لتأكيد المعنى، وفي هذه المسألة كلام طويل، ولكن جمهور العلماء على أن قوله -جل وعلا-: فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ أن معنى ذلك إقسام من الله -جل وعلا.

وفي هذه الآية أقسم الله -جل وعلا- فقال: فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ والشفق هو الحمرة التي تكون بعد غروب الشمس.
وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ يعني: ما جمع وضم؛ لأن الليل يجمع الظلمة، ويجمع أشياء كثيرة.
ثم قال -جل وعلا-: وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ يعني: إذا تكامل وكان بدرا.
فهذه الأشياء كلها آيات من آيات الله الدالة على عظمته وقدرته، أقسم الله -جل وعلا- بها في هذه الآيات، والمُقْسَم عليه قوله -جل وعلا- لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ يعني: لتركبن حالة بعد حالة، أو حالة على حالة؛ لأن العبد يتقلب في رحم أمه أطوارا، ثم يخرج من بطن أمه للدنيا، فيتقلب في هذه الدنيا أطوارا مختلفة، وألوانا مختلفة؛ يكون صغيرا ثم شابا، ثم كهلا، ثم شيخا، وتعتريه حالات متعددة من المرض والنوم والصحة، والطاعة والمعصية، والضلالة والهدى، إلى غيرها من الأحوال التي تعتري الإنسان.
أقسم الله -جل وعلا- على ذلك: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ .
ثم قال -جل وعلا-: فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ يعني: أن هؤلاء الكفار لماذا لا يؤمنون بالله -جل وعلا؟ ولماذا لا يؤمنون بما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم؟ ولماذا لا يؤمنون بالبعث والنشور، وهم يرون آيات الله -جل وعلا- التي يُسَيِّرُها ليراها عباده بأعينهم في هذه الحياة الدنيا؟ ولكن كما قال الله -جل وعلا-: إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ .
ثم قال -جل وعلا-: وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ أي: إن هذا القرآن بما اشتمل عليه من آيات عظيمة حريٌّ بهؤلاء الكفار أن يسجدوا لهذا القرآن لعظمته، ويؤمنوا بما فيه من الآيات.
ومن هذه الآية أخذ الإمام أبو حنيفة -رحمه الله- وبعض العلماء إلى أن سجود التلاوة واجب؛ لأن الله -جل وعلا- ذم الكفار إِذْ لم يسجدوا، ولكن الذي عليه جمهور العلماء والذي دلت عليه النصوص: أن سجود التلاوة سنة وليس بواجب؛ لأن عمر -رضي الله تعالى عنه- تلا آية السجدة في سورة النحل يوم الجمعة على المنبر، ثم نزل وسجد، ثم لما جاءت الجمعة الأخرى قرأها ولم يسجد، وقال: من شاء سجد، ومن لم يشأ لم يسجد.
والنبي -صلى الله عليه وسلم- سجد مرة في سورة النجم، ومرة لم يسجد، فدل ذلك على أن السجود ليس بواجب، ولو كان واجبُا لسجدَهُ النبي -صلى الله عليه وسلم.
ولكن هذه الآية تدل على ذم الكفار الذين لا يستجيبون لهذا القرآن، ولا يذعنون لأوامر الله -جل وعلا-، ولا ينتهون عن نواهيه التي جعلها في هذا الكتاب العظيم.
ثم قال -جل وعلا-: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ أي: ما منعهم من الإيمان؟ وما منعهم من الإذعان لهذا القرآن إلا لأنهم يكذبون؟! عبر الله -جل وعلا-عنهم بصيغة المضارع، وهذا يدل على أنهم في حالهم وفي مستقبلهم يكذبون ويصرون على تكذيبهم.
كما قال الله -جل وعلا- في الآية الأخرى: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ .
ثم قال -جل وعلا-: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ يعني: أن الله -جل وعلا- محيط بهم يعلم سرهم ونجواهم، وما يعلنونه وما يضمرونه.
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يعني: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يبشر هؤلاء الكفار بعذاب أليم؛ لأن البشارة تكون في الخير، وتكون في الشر، فإذا أُطْلِقَتْ فإنها تنصرف إلى الخير، وإذا قُيِّدَتْ -وقد تقيد بالعذاب أو بغيره- فتنصرف إلى الشر، وفي هذه الآية قال الله -جل وعلا-: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ جزاءً لتكذيبهم للنبي -صلى الله عليه وسلم- وبما جاء به.
ثم قال -جل وعلا-: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ هذا استثناء منقطع، والاستثناء المنقطع تكون "إلا" فيه بمعنى "لكن"؛ أي: لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون، أي غير منقطع، بل هو مستمر كما تقدم بيان ذلك، والله -تعالى- أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.



فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ .

قال الله -جل وعلا-: فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ قد قدمنا أن قوله تعالى: فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ أي: أقسم بالشفق، و"لا " هذه -كما قال العلماء- زائدة لتأكيد المعنى، وفي هذه المسألة كلام طويل، ولكن جمهور العلماء على أن قوله -جل وعلا-: فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ أن معنى ذلك إقسام من الله -جل وعلا.

وفي هذه الآية أقسم الله -جل وعلا- فقال: فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ والشفق هو الحمرة التي تكون بعد غروب الشمس.
وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ يعني: ما جمع وضم؛ لأن الليل يجمع الظلمة، ويجمع أشياء كثيرة.
ثم قال -جل وعلا-: وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ يعني: إذا تكامل وكان بدرا.
فهذه الأشياء كلها آيات من آيات الله الدالة على عظمته وقدرته، أقسم الله -جل وعلا- بها في هذه الآيات، والمُقْسَم عليه قوله -جل وعلا- لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ يعني: لتركبن حالة بعد حالة، أو حالة على حالة؛ لأن العبد يتقلب في رحم أمه أطوارا، ثم يخرج من بطن أمه للدنيا، فيتقلب في هذه الدنيا أطوارا مختلفة، وألوانا مختلفة؛ يكون صغيرا ثم شابا، ثم كهلا، ثم شيخا، وتعتريه حالات متعددة من المرض والنوم والصحة، والطاعة والمعصية، والضلالة والهدى، إلى غيرها من الأحوال التي تعتري الإنسان.
أقسم الله -جل وعلا- على ذلك: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ .
ثم قال -جل وعلا-: فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ يعني: أن هؤلاء الكفار لماذا لا يؤمنون بالله -جل وعلا؟ ولماذا لا يؤمنون بما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم؟ ولماذا لا يؤمنون بالبعث والنشور، وهم يرون آيات الله -جل وعلا- التي يُسَيِّرُها ليراها عباده بأعينهم في هذه الحياة الدنيا؟ ولكن كما قال الله -جل وعلا-: إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ .
ثم قال -جل وعلا-: وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ أي: إن هذا القرآن بما اشتمل عليه من آيات عظيمة حريٌّ بهؤلاء الكفار أن يسجدوا لهذا القرآن لعظمته، ويؤمنوا بما فيه من الآيات.
ومن هذه الآية أخذ الإمام أبو حنيفة -رحمه الله- وبعض العلماء إلى أن سجود التلاوة واجب؛ لأن الله -جل وعلا- ذم الكفار إِذْ لم يسجدوا، ولكن الذي عليه جمهور العلماء والذي دلت عليه النصوص: أن سجود التلاوة سنة وليس بواجب؛ لأن عمر -رضي الله تعالى عنه- تلا آية السجدة في سورة النحل يوم الجمعة على المنبر، ثم نزل وسجد، ثم لما جاءت الجمعة الأخرى قرأها ولم يسجد، وقال: من شاء سجد، ومن لم يشأ لم يسجد.
والنبي -صلى الله عليه وسلم- سجد مرة في سورة النجم، ومرة لم يسجد، فدل ذلك على أن السجود ليس بواجب، ولو كان واجبُا لسجدَهُ النبي -صلى الله عليه وسلم.
ولكن هذه الآية تدل على ذم الكفار الذين لا يستجيبون لهذا القرآن، ولا يذعنون لأوامر الله -جل وعلا-، ولا ينتهون عن نواهيه التي جعلها في هذا الكتاب العظيم.
ثم قال -جل وعلا-: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ أي: ما منعهم من الإيمان؟ وما منعهم من الإذعان لهذا القرآن إلا لأنهم يكذبون؟! عبر الله -جل وعلا-عنهم بصيغة المضارع، وهذا يدل على أنهم في حالهم وفي مستقبلهم يكذبون ويصرون على تكذيبهم.
كما قال الله -جل وعلا- في الآية الأخرى: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ .
ثم قال -جل وعلا-: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ يعني: أن الله -جل وعلا- محيط بهم يعلم سرهم ونجواهم، وما يعلنونه وما يضمرونه.
فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يعني: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يبشر هؤلاء الكفار بعذاب أليم؛ لأن البشارة تكون في الخير، وتكون في الشر، فإذا أُطْلِقَتْ فإنها تنصرف إلى الخير، وإذا قُيِّدَتْ -وقد تقيد بالعذاب أو بغيره- فتنصرف إلى الشر، وفي هذه الآية قال الله -جل وعلا-: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ جزاءً لتكذيبهم للنبي -صلى الله عليه وسلم- وبما جاء به.
ثم قال -جل وعلا-: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ هذا استثناء منقطع، والاستثناء المنقطع تكون "إلا" فيه بمعنى "لكن"؛ أي: لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون، أي غير منقطع، بل هو مستمر كما تقدم بيان ذلك، والله -تعالى- أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

رد باقتباس
رد

أدوات الموضوع
طرق عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is متاحة
رمز [IMG] متاحة
رمز HTML معطلة



الساعة الآن: 06:05 PM.

افلام - اجمل الصور - اصحاب كول  - العاب - الابراج - صور الفنانين - تفسير الاحلام - تحميل برامج  - ارشيف - كول تون - قصات شعر - انواع الحب  - نكت

Powered by vBulletin V3.8.7. Copyright ©2000 - 2014 Jelsoft Enterprises Limited
تصميم مصطفى الكردي